مجلة إشكالات في اللغة والأدب
مرحبا بزوار المنتدى وقراء مجلة [ إشكالات ].. نرجو منكم الانضمام إلى أعضائه والتواصل مع أسرة المجلة.

تجلي الإبداع في التجربة الشعرية الحديثة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

تجلي الإبداع في التجربة الشعرية الحديثة

مُساهمة  مدير المنتدى في الجمعة مايو 22, 2015 9:06 pm

تجلي الإبداع في التجربة الشعرية الحديثة

د. بلقاسم دكدوك
جامعة أم البواقي
     
                                                                   

ملخص:
 تشير هذه الدراسة إلى أن التنوع الفكري والفني في الشعر الجديد، قد أدى إلى ترقية المخيلة العربية المعاصرة، وانفتاحها على مختلف التيارات الشعرية الحاضرة في الفضاء العربي، وبذلك تحقق لها التوافق الشعري في شكل تحالف فني ظل يعمل باستمرار على تغذية القصيدة في إطار الوحدة والتنوع، تعبيرا وفكرا.
Résumé :
      Cette étude met l’accent sur la diversité spirituelle et artistique dans la poésie moderne qui a marqué le développement de l’imagination arabe moderne, ainsi que son ouverture sur les différents courants poétiques présents dans l’espace arabe. De plus, l’harmonie poétique a été réalisée sous la forme d’un contrat artistique nourrissant couramment le poème dans le cadre de l’union et la diversité expressive et spirituelle.



----------

       أحدثت أزمة الأشكال الأدبية، أو صدمة الحداثة كما يسمها أدونيس(1)، قلقا في المتخيل العربي وفي السلوك وفي السياسة وفي الفكر والإبداع أيضا، وظل هذا القلق يتسع ويضيق تحت اختلالات القديم وارتباكات الجديد، وبين القديم والجديد، كانت المخيلة الفنية العربية المعاصرة تتأوه من الداخل، ولكنها تنمو وتتطور بخصوصياتها الثقافية والإبداعية، وبانفتاحها المستمر على منجزات الخطاب الإبداعي المعاصر القائم على التعددية في الأساليب والأشكال، وداخل الفضاء الثقافي الوطني بكل أبعاده القومية والحضارة.
وتحولت إحيائية وحداثة الأشكال التعبيرية في الإبداع العربي الحديث في مرحلة الخمسينيات إلى عملية نهضوية تجديدية مشتركة، شاركت فيها مختلف التيارات الشعرية التي أفرزتها تلك المرحلة التاريخية الهامة؛ فقد نشأت وتطورت تجربة الشعر الجديد بكل هواجسها الحديثة وبأسئلتها في التطور والنمو، التي أصبحت مطروحة في الواقع الحضاري المعاصر، ولاسيما في البيئة العربية العراقية، بعد أن أصبح واضحا أن الحلم الرومانسي الغنائي الذي، هيمن في الفترة الزمنية السابقة، أي في الحقبة المحصورة بين الحربين العالميتين، لم يعد قادرا على التغيير والإصلاح والتجديد، وأصبح المتخيل في صورته الغنائية التقليدية "عنصر إزعاج أكثر مما هو عامل إغناء للممارسة العقلية "(2).
ولذلك ارتبط الموقف الشعري الجديد في نشوئه وتطوره، بتطور العقلية الثقافية والفنية التي دخلت في أعوام الخمسينيات ميدان الممارسة النضالية الفعلية بكل أبعادها السياسية والفكرية والفنية، وبهذا المعنى أصبح للمتخيل وظيفة أساسية في الحياة، وصار تعبيرا عن علاقة الوعي بالموضوع، ومن خلال هذه العلاقة، يحدث الإدراك ويتحقق الفهم وينشأ التخييل كطريقة في العرض والصياغة كذلك.
إن القصيدة القادرة على التغيير، هي تلك التي تمر عبر ثورة الخارج أي تهديم البنية الشكلية للقصيدة، واعتماد التفعيلة والأشطر الشعرية المتغيرة أساسا إيقاعيا جديدا، ولكنه الأساس الفني والبنائي الذي ينمو ويتطور من الداخل دون اللجوء إلى هدم الجسور بين القديم والجديد وبالتالي الوصول بالتجربة الشعرية الحديثة إلى مرحلة التوازن بين ما هو فني إبداعي، وبين ما هو اجتماعي وواقعي.
فنحن أمام نموذج بقدر ما يتمرد على الشكل الثابت للقصيدة العربية، فهو يبقى ممسكا ببعض خطوطها التي تبقيه في دائرة الشعرية العربية، خصوصا ما تعلق بالتفعيلة المتكررة والقافية التي تتذيل الجملة الشعرية، وهو ما عبرت عنه نازك الملائكة حين اعتبرت التجربة الشعرية الجديدة خروجا نسبيا عن العروض العربي.
وقد كان من نتائج هذا الواقع الشعري الجديد إذن، أن انفجر الشكل الرومانسي وعلى أنقاضه قامت ثورة التفعيلة والصورة، ثورة القصيدة الحرة ذات الشكل التعبيري والفني المرن، بحيث احتضن كل التيارات الشعرية التي برزت في البيئات العربية خصوصا في البيئة العراقية، كما احتضنت الفكرة الاشتراكية كل التوجيهات الوطنية والقومية والإيديولوجية، وبصيغها الفكرية المتعددة من الصيغة اليسارية إلى الصيغ القومية الاشتراكية، إلى الاشتراكية العلمية(3)، وبذلك اتسعت مساحة النضال الاجتماعي، وازدادت التجربة الاجتماعية ثراء وتوسعا كذلك، واتسعت معها كذلك صيغ التعبير الجديد، وتحقق التوافق الشعري بين مختلف تلك التيارات، في شكل تحالف أو ائتلاف فكري باستمرار على تغذية القصيدة الحرة فكرا وتعبيرا وبناء.
إن هذا التوافق الشعري والفكري الذي طال المخيلة الفنية العربية بوجه خاص، والمخيلة الفنية العراقية بوجه أخص، ما كان له أن يقوى وينضج، لولا تلك المفاهيم القومية والفكرية الجديدة التي بدأت تتبلور في صيغ فكرية تعبر عن ثقافة حديثة متميزة، أثرت العلاقة بين الفكر القومي والوعي الشعري، وبتطور هذه الثقافة الجديدة واغتنائها بالوعي الاجتماعي، وازدادت تلك العلاقة قوة وعمقا، واتجه النضال الوطني العربي بكل أبعاده بعد الحرب العالمية الثانية، نحو انجاز المشروع السياسي الشامل بأبعاده الاجتماعية والاقتصادية والأدبية كذلك لمواجهة الاختيارات الحاسمة، ومواكبة حركة الحادثة والتطور العالمي الذي يرفضه الواقع الدولي الجديد.
        وقد كان من أبرز ما يحمله هذا التطور من عناصر الشعور، ضرورة الانطلاق من رؤية شمولية محددة وواضحة، تتجاوز ذلك التداخل والخلط في المشاريع السياسية والفكرية رغم أن صياغة هذا التصور لم يكن أمرا بسيطا، في ظل مناخ يتميز بالخلط والتداخل والتعدد في الاتجاهات الوطنية والقومية، وهي فترة تاريخية سادها الاختلاف والتناقض والصراع غالبا، والتعايش أحيانا، بين دعاة التجديد في إطار القديم، وبين التجديد في إطار الثورة على القديم.
ولا شك أن هذا الواقع كان له تأثير على الحياة الأدبية والثقافية، ذلك لأن الوعي الوطني والقومي، رغم أنه كان حاضرا باستمرار في العقلية العربية الجمعية وفي جميع المراحل الأدبية والتاريخية للعصر الأدبي الحديث، إلا أنه لم يمكن يعني تصورا واحدا، أو رؤية محددة ودقيقة للراهن وللمستقبل كذلك، وإنما كان يتضمن شيئا واحدا شكل الحد الأدبي لذلك التوافق الفكري والإبداعي، ويتمثل في القيام بمهمة الإنجاز السياسي أولا، أي الخروج من التبعية الأجنبية وتحقيق الاستقلال كشرط جوهري وأساسي في كل عمل نهضوي حداثي، وتؤجل المسائل  الأخرى إلى إشعار آخر، ونعني بذلك الثورة التي تحولت إلى نظام أو دولة ذات سيادة.
أما الثورة التي تتحول إلى نهضة حضارية شاملة بأبعادها الاجتماعية والإنسانية، ومن خلالها يكتسب الجديد نوعا من الشرعية، فقد تمكنت نسبيا من إقامة الجسور بيننا وبين العالم المعاصر، عبر قنوات الاتصال والانفتاح الثقافي.
وبهذه الطريقة صارت الصورة هي هذا الجديد المنبعث من القديم على نحو جديد، أو من الجديد القادم إلينا من الغرب، وتشكلت الصورة الحداثية للقصيدة الجديدة حيث استحضرت الماضي في قلب الحاضر بكثافة وعمق، وانفتحت على المستقبل الحداثي بحماس كبير.
إن هذا الجديد الذي كان يعني في الذاكرة الفنية الجمعية آنذاك الثورة قد أثمرت حداثية كلاسيكية عند نازك الملائكة غالبا وبدر شاكر السياب أحيانا، وحداثية منفتحة ناضجة خاصة عند عبد الوهاب البياتي، وبذلك تحررت مساحة واسعة من الوجدان الشعري العربي الحديث بناء وتعبيرا" من الرواسب الفنية التقليدية"(4).
ولذلك اتخذ النضال الوطني والقومي في بدايته، صبغة نضالية ثورية، أكثر منه رؤية فكرية واجتماعية بكل أبعادها الاجتماعية والاقتصادية، وربما طبيعة وجدانية رومانسية، قد تكون من بين الموارد الوجدانية التي ظلت تربض في أعماق المخيلة الفنية العربية عامة والعراقية القلقة على وجه الخصوص،" بعد أن أخذ الشعور القومي بالتعاظم"(5) وتعمل على تغذية النزعة الذاتية الغنائية في القصيدة الحرة ولذلك سنلاحظ حضورا متميزا لهذه النزعة الغنائية التعبيرية عند رواد الشعر الحر والجديدة وهذا الحضور الغنائي اللافت للنظر كان قويا في المراحل الشعرية الأولى لهذه التجربة الشعرية الحديثة.
ولكن هذا النضال السياسي القومي، ازداد اتساعه وعمقه في المخيلة الفنية العراقية ، حينما اتضح أن المشكلات الجوهرية التي يعاني منها المجتمع العربي عامة، والمجتمع العراقي خاصة، هي مشكلات ذات أبعاد اجتماعية اقتصادية وثقافية وأن الأسئلة الحداثية الحقيقية، هي تلك الأسئلة المرتبطة بالواقع، بالمجتمع بكل فئاته وبقضايا التخلف، والفقر والتفاوت الطبقي، وهي الأسئلة الصحيحة التي تعمل على تشخيص الواقع بكل موضوعية وشمولية، وترتبط بالوعي الاجتماعي في أبعاده المختلفة.
إن هذه الأسئلة الحديثة الجديدة، لا تعني أنها سقطت من حسابات النضال القومي الآخر، وأنها لم تكن ذات ملامح اجتماعية، بل إن الوعي الاجتماعي، نشأ مع مختلف أنماط الوعي الأخرى، وظل على علاقة وثيقة بها، تغذيه وتحتضنه وأحيانا تطغى عليه ولكنه بقي ينمو ويتعمق ويتسع في صيغ فكرية وفنية جديدة حتى اتضحت معاملة ورؤاه بشكل دقيق بعد الحرب العالمية الثانية، وهو الوعي الذي كان وراء صياغة تلك الأسئلة الحداثية المعاصرة التي طرحتها قصيدة الشعر الحر(6) في الخمسينيات، وعمقتها التجارب الشعرية اللاحقة.
ولأن الفكر العربي كان مهتما في أول الأمر بالمشكلة السياسية أي بمشروع الاستقلال، كان الاهتمام منصبا على تحقيق هذا الهدف السياسي، دون تحديد دقيق لهذا المستقبل السياسي فيما بعد، وسواء أتحقق هذا الهدف في شكل تصور قومي شامل أم في شكل تصور إقليمي وطني(7) فإن الاستقلال سيظل هو المحتوى الأساسي والمركزي في تشكيل العقلية الثقافية والفنية.
هذه هي الصورة الفكرية التي كانت حاضرة لدى الشاعر والسياسي والناقد، والمثقف العربي بوجه عام، ورغم أن هناك من تفطن إلى ربط النضال السياسي بالقضايا الاجتماعية والاقتصادية، إلا أنها ظلت مجرد نزعة عقلية نظرية ولم تكن موقفا ثوريا، لا في السياسة ولا في الإبداع مما عجل بتشكل عقلية سياسية اجتماعية عملت على تغذية وتشكيل المخيلة الفنية الواقعية الحداثية عند رواد الشعر الحر على وجه الخصوص.
وكما تحول النضال الوطني والقومي في مختلف الأقطار العربية، ومنها القطر العراقي، من نضال ضد الهيمنة، الأجنبية الاستعمارية، إلى نضال ضد الهيمنة الإقطاعية والقوى المتحالفة معها، حينما ارتبط هذا النضال بالوعي الاشتراكي ولاسيما بعد نكبة فلسطين عام 1948 وقيام ثورة 1952 في مصر، قامت النزعة الواقعية في الأدب كذلك.
لقد كانت سنة 1948، سنة حاسمة في التاريخ العربي الحديث ، فهي لم تشهد نكبة فلسطين فقط، ولكنها شهدت بداية انهيار المجتمع التقليدي بأنظمته السياسية أمام تصاعد الوعي الوطني التحريري بأبعاده الثورية الجديدة في معظم البيئات العربية ومنها البيئة العراقية وفي هذه الحقبة شهدت كذلك الساحة العربية بداية الشعر الحر وانكسار وتراجع الأشكال التقليدية، هيأت لها عوامل متعددة منها:
 انهيار النماذج التقليدية في الثقافة وفي السياسة والفكر والإبداع أيضا.
 اتساع رقعة الشراكة والانفتاح على الثقافة الغربية.
 تسرب الفكر الاشتراكي عامة إلى الوطن العربي وإذكاء مشاعر النضال والكفاح من أجل التحرر والتجديد(Cool.
وقد كانت معظم الأقطار تعيش مدا يساريا بعد الحرب العالمية الثانية باستثناء الجزائر، وتموج بكثير من الأفكار الاشتراكية الثورية الرافضة لكل التقاليد السابقة، وبذلك انفتح المجتمع  العربي على العالم الخارجي(9). وهبت عليه طيارات الفكر المعاصر بشكل واسع فانتعشت الصحافة ونشطت حركة الترجمة والطباعة، فتأثر الخيال العربي الحديث بهذه اليقظة السياسية و الفكرية، وهكذا ارتبط هذا الوعي الجديد بالثورة على القديم " القصيدة الإحيائية" وعلى الجديد السائد " القصيدة الرومانسية".
وفي ضوء ما سلف، ومن خلال استقراء للسوق الإبداعي العربي، يتضح لنا، أن هناك مجموعة من الرؤى تعاقبت في الساحة الشعرية العربية المعاصرة، وقد وجدت هذه الرؤى تربة خصبة للنمو والتطور، سواء أكان ذلك في المجال السياسي أم الثقافي أم الاجتماعي، كانت تمدها بالغذاء والدعم الفكري في إطار التطور العام للمجتمع وبذلك تشكلت الخلفية السياسية والاجتماعية والفكرية والفنية للمخيلة الشعرية الحديثة بكل أشكالها المتنوعة، ومن أبرز هذه الرؤى ما يلي:
أولا: الرؤية الإحيائية الجديدة، التي تنظر إلى الشعر الحر من حيث كونه حركة تعبيرية عمودية مطورة تنسجم مع أصول الشعر العربي و جمالياته القديمة، ولذلك وجدت هذه الرؤية أطروحتها في شعر التفعيلة المقفى، باعتباره شكلا يحقق قدرا من الانسجام بين سلطة التعبير الصوري القديم، وسلطة التعبير الصوري البنائي الجديد، وهذا الانسجام الفني كان من بين العوامل الفاعلة في نشوء ذلك الائتلاف الثقافي والشعري عند معظم رواد الشعر الحر كما تجسده الدالة البيانية المرفقة بهذا الفصل ومن خلال هذا التوافق والائتلاف تعايشت الحركات الشعرية المعاصرة.
ثانيا: وهناك الرؤية الحداثية الجديدة بكل أشكالها الرؤيوية المتعددة، والتـي تنطلق من تصور فكري آخر، يعيد إرساء البناء الشعري ثم يحدد طبيعة القصيدة ووظيفتها، في ضوء رؤية مغايرة وبنية فنية شمولية، تتجاوز السائد والمألوف والعزف، ولكن هذه الرؤية انشطرت على مستوى الممارسة الإبداعية إلى شطرين، أحدهما يركز على البنية الفردية الذاتية، وهي بنية شعرية جزئية محورها الفرد، وصارت لها أدواتها التعبيرية والغنائية على مستويات متغايرة ومتكاملة، أما الشطر الآخر فكان التركيز على ربط القصيدة بالوعي الواقعي الاشتراكي الحداثي والخروج بها من إطار المحلية إلى العالمية، ومن خلال الاستفادة من طاقات الأصوات اللغوية والأسطورية والتاريخية وقد صاحب تعميق هذه المعرفة الشعرية الجديدة، اتساع دائرة الانفتاح على الثقافات القديمة والحديثة، وقد ترك ذلك أثرا بارزا في المخيلة الشعرية العربــية المعاصرة.
لقد كانت العودة إلى الأساطير، والموروث الديني و الآداب العالمية، أسلوبا تعبيريا للانفلات من الغنائية والتعبير المباشر في صيغتها التقليدية، وتجريد القصـيـدة من عنــاصر الشخصية، والبحث عن المعادل الموضوعيCorrélation Objective للشعور والفكر، الذي يعتبر من أهم الأفكار النقدية، لتوماس إليــوت T.S.Eliot  وأكثرها تأثيرا في الوسط النقدي الحديث. جسدتها قصيدته المشهورة " الأرض الخراب" القائمة على التضمين والاقتباس من الأشعار والإشارات والرموز الأسطورية والتاريخيـة والثقافية (10)، وبهذه الرؤيـة الشعرية المنفتحـة تشكلت البنية الجماعية الغنائية والدرامية على حد سواء في المخيلة الفنية لرواد القصيدة الحرة.
       ومن خلال هذه الصورة التي تبين مرجعيات الشعر الثابت القائم على مرجعيات عمود الشعر، ومرجعيات ما هو متغير يطرحـه التفكير الشعري النسبي المعاصر، الذي يعطي كل شخصية استقلالها وقدرتها على تشكيل أفكارها وتجاربها وبالتالي نسيجها التعبير المتفرد المنفتح على الوعي الجماعي، فإن هذا التعدد في المرجعيات الفكرية والشعرية، لا يسير في اتجاه مغاير لاتجاه حركة الشعر الحر، وإنما ظل التعدد يتلقى دعمـه داخل المرجعية الواحدة، ومن الخارج من خلال المرجعيات الأخرى المتواجدة معها داخل جبهة الائتلاف التي تكونت في مرحلة الخمسينيات التي كانت تضم بقايا التفكير الإحيائي والرومانسي إلى جانب التفكير الشعري الحداثي الجديد، وهو الانطباع  الذي يؤكد بأن التغيير في القصيدة طبيعة ووظيفة وأداء لم يكن دفعة واحدة حتى لا يتعرض المجتمع الشعري والثقافي إلى التفكك والانهيار السريع، وإنما كان يتم مرحليا، ثم يأخذ صيغا تعبيرية ترتبط بالأعماق العربية المتغيرة هي الأخرى، وبالتالي يعبر عن هذا التغيير بأشكال بنائية قادرة على التجدد والتطور وعلى بلورة الوعي الفني الفاعل والمؤهل للقيام بوظيفة تشكيل الخريطة الفنية عند رواد الشعر الجديد بناء وتعبيرا، على ضوء التحولات التي أصبحت تطبع الراهن الإبداعي والمعرفي بمنظومته الفنية المعقدة، وقوانينه الإجرائية الجديدة القائمة على التعددية التعبيرية والرؤية الموضوعية الشمولية التي تستند إلى التنوع الفكري، ووحدة الشكل الفني، مع انفتاحه المستمر على أدوات التعبير الدرامي الموضوعي.      
الهوامش:
(1)- أدونيس، الثابت والمتحول، بحث في الإتباع والإبداع عند العرب، 3- صدمـة الحداثـة، ط4 بيروت: دار العودة، 1983، ص : 253.
(2)- محمد نور الدين أفاية، المتخيل والتواصل، مفارقات العرب والغرب، ط1، بيروت، دار المنتخب العربي للدراسات والنشر والتوزيع، 1993، ص: 20.
وينظر كذلك: محمد بنيس، الشعر العربي الحديث، بنياته وإبدالاتها، ج4، مساءلة الحداثة، ط1، الدار البيضاء، دار توبقال، 1991، ص :34.
(3) حليم بركات، المجتمع العربي المعاصر، بحث استطلاعي اجتماعي، ط3، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية 1984، ص 289.
(4)- غالي شكري، سوسيولوجيا النقد العربي الحديث، ط1، بيروت، دار الطليعـة للطباعة والنشر ، 1981، ص : 164.
(5)- عمر الدقاق، الاتجاه القومي في الشعر العربي الحديث، بيروت، دار الشرق العربي، ص :69.
(6)- نازك الملائكـة، قضايا الشعر المعاصر، بيروت، دار الأدب، 1962، ص :25.
(7)- محمد الكتاني، الصراع بين القديم والجديد في الأدب العربي الحديث، ج1، ط1، الدار البيضاء: دار الثقافة ، 1982، ص: 148.
(Cool- أنيس الخوري المقدسي، الاتجاهات الأدبية في العالم العربي الحديث، ط5، بيروت، دار الملايين 1973، ص :84.
(9)- علي عباس علوان، تطور الشعر العربي الحديث في العراق، اتجاهات الرؤيا وجماليات النسيج، بغداد وزارة الإعلام، ص :100.
(10)- أنس داود، الأسطورة في الشعر العربي الحديث، القاهرة مكتبة عين شمس، ص 190.
وينظر كذلك: عبد الرضا علي، الأسطورة في شعر السياب، ط2، بيروت، دار الرائد العربي 1984، ص: 125.
وأيضا: عبد العزيز المقالح، الشعر بين الرؤيا والتشكيل، ط2، دمشق، دار طلاس للدراسات والترجمـة والنشر، 1985، ص 302.

مدير المنتدى
Admin

عدد المساهمات : 166
تاريخ التسجيل : 18/02/2012
الموقع : rihabalkalimah.cultureforum.net

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ichkalat.forumalgerie.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى