مجلة إشكالات في اللغة والأدب
مرحبا بزوار المنتدى وقراء مجلة [ إشكالات ].. نرجو منكم الانضمام إلى أعضائه والتواصل مع أسرة المجلة.

تشكل المكان وطبيعة الآخر في " مذكرات شاهد للقرن" للمفكر مالك بن نبي.

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

تشكل المكان وطبيعة الآخر في " مذكرات شاهد للقرن" للمفكر مالك بن نبي.

مُساهمة  مدير المنتدى في الخميس يناير 28, 2016 6:47 pm

تشكل المكان وطبيعة الآخر في
" مذكرات شاهد للقرن" للمفكر مالك بن نبي.

د.شاكر لقمان
جامعة أم البواقي

الملخص :

تهدف هذه الدراسة إلى الوقوف على طبيعة صورة الآخر عند مالك بن نبي من خلال كتابه " مذكرات شاهد للقرن " الذي يعتبر مؤلَّفا في السيرة الذاتية ؛ يسرد عبره حياته منذ كان طفلا فشابا، ثم طالبا في أرض الوطن وفي فرنسا، وينقل مظاهر الحياة الاجتماعية والسياسية في البيئتين؛ الداخلية والخارجية، مبرزا مواقفه وتوجهاته وآراءه فيهما.

أولا مقدمات عامة:
1-مفاهيم إجرائية: الأنا ... والآخر"، مصطلحان متقابلان، متضادان أنتجتهما الثقافة الغربية. " فالأنا " تعبر عن المركزية والعالم أطراف. "الأنا" هي التفوق والتميز والحضارة.. و" الأخر" هو التخلف والبربرية والإرهاب والدونية. الآخر هو تفصيل ثانوي، غريب غير طبيعي.. "الأنا" هي "أنا" الغرب، هي الغرب ذاته، عالياً، متفوقاً متميزاً، راقياً.. و"الأخر" هو بالنسبة لأنا الغرب، هو كل الشعوب الأخرى غير الغرب والتي تصبح موضوعاً للاستعمار والاستغلال والتحقير .
إن جدل الأنا والآخر في أغلب المواقف والاتجاهات التي تمثل الفكر العربي والإسلامي الحديث والمعاصر مقابلة بين طرفين، ومواجهة بين معسكرين، ووقوف على طرفي نقيض بين جهتين، مقابلة ومواجهة بين الأنا الذي يمثل الذات العربية والإسلامية، بكل ما تنطوي عليه هذه الذات من عناصر في التاريخ والثقافة والدين والأخلاق والواقع وغيره، منها الموروث ومنها الوافد، فيه الثوابت والمتغيرات، كل ذلك يُشكّل هوية الأنا ويحافظ عليه في سياق صراع الأصالة مع المعاصرة، والتقليد مع التجديد، والماضي مع الحاضر، والحديث مع السالف، هو السياق الذي تشكّل فيه المعرفي والثقافي والإيديولوجي والمنظور العلوي أو الدوني في صلب فكرنا العربي الحديث والمعاصر، وارتبط سببا وحتما هذا التشكّل بالتاريخ الوسيط والحديث وبالواقع الراهن .
أما الفيلسوف الفرنسي سارتر فاتسم بنظرة سلبية تجاه مسالة معرفة الآخر فهو يرى أن هناك هوة سحيقة، هذه الهوة تجعل معرفة الغير محصورة في معطيات موضوعية خارجية وليست حميمية ذاتية بل إن تلك الهوة تجعل من الآخر طرفا مضايقا للأنا، إنها إذًا علاقة قائمة على السلب وعلى التوتر ؛ لأن كلا منهما يحول الأخر إلى موضوع، لذلك اعتبر سارتر أن الآخر هو الجحيم . لكن إذا تجاوزنا هذا المنطق الذاتي الإقصائي عند سارتر ثم انطلقنا عكس ذلك الاعتراف المتبادل بين الأنا والآخر، ألا يمكن الإقرار بإمكانية معرفة الغير والتواصل معه إ يجابا ?. الجواب نجده بالإيجاب عند الفيلسوف ميرلو بونتي الذي ينتقد سارتر بقوله(( إن نظرة الغير لا تحولني إلى موضوع كما لا تحوله نظرتى إلى موضوع إلا إذا انسحب كل منا وانطوى داخل طبيعته المفكرة وجعلنا نظرة بعضنا البعض لا إنسانية. فتعليق التواصل بين الآخر لا يعني استحالته وانعدامه شريطة الاعتراف المتبادل)) .
وما يمكن أن نقوله إن الحديث عن الآخر يعني اكتشاف الذات، وعلاقة هذه الذات مع الآخر سياسيا واجتماعيا وحضاريا وثقافيا، وهذه العلاقة قائمة على أساس أن الذات هي المكون الأساسي في حركة الفكر والثقافة بشكل عام، وهي الأصل، وهي الصواب والأخر هو مجرد ظل لهذه الذات، وهو فرع عنها، وهو الخطأ لكل تصوراتها، وتظل العلاقة بين الأنا والآخرة علاقة جديلة افتراضية، فقد تكون الأنا على حساب الأخر، أو إلغاء الأخر لصالح الأنا، وهذه العلاقة قائمة على ثنائية الأشياء، وعلاقة التضاد القائمة بينهما، واستحالة الدمج بين هذه الثنائيات، مثل الحياة والموت، والخير والشر، والصواب والخطأ، والذكورة والأنوثة، إلى غير ذلك من العلاقات الثنائية والضدية التي تحكم منطق الأشياء.
2-المكان، الذات والآخر: لم يكن هناك تغنٍّ بالمدينة بمفهومها الدقيق في الأدب العربي الحديث، إلا بعد مرحلة رواد المدرسة الكلاسيكية الإحيائية أمثال البارودي وشوقي وحافظ وغيرهم ممن يُعَدون طلائع هذه المدرسة ودعائمها في أدبنا العربي الحديث ومع مطلع القرن العشرين، ونشوء مظاهر المدنية، والحضارة الغربية وانتقال هذا المد التحضري الجديد نحو المجتمعات العربية، بالإضافة إلى الأحداث السياسية الكبرى كأحداث الحربين العالميتين اللتين عرفتهما الساحة العالمية، وما شهدته الساحة العربية من حروب محلية، كل هذا أدى إلى حدوث تطور كبير في المواقف والرؤى فـ (( جاء اللقاء المبكر مع المدينة اختيارا صعبا لتاريخية الذات العربية، فكان الشعراء شأنهم شأن المفكرين والمصلحين ؛ يجتهدون في التوفيق بين المضامين العصرية والتعابير التراثية، الوجه الآخر لمعادلة القرية والمدينة، أو القديم والجديد ))، وهنا يبرز جبران خليل جبران، الذي (( تأخذ صورة العلاقة الجدلية بين المدينة والقرية في الأعمال الأدبية له حيزا أكثر اتساعا، وكثافة، غير أنه لا يفارق الرؤية الوجدانية العربية، في تحديد ملامح صورة المدينة، أو التعبير عن حالة الخروج منها إلى الطبيعة)) ، فأطلق صرخة مدوية احتجاجا على تغيير معالم الطبيعة وتآكلها، وتجاسرت هذه الصيحة متعالية بحسّ امتداديّ حُلمي لا نهائي، من أجل حمايتها من براثن المدينة؛هذه المدينة التي يجب أن تهدم ويعاد بناؤها من جديد؛ لتلائم النفس البشرية الخيرّة، ولتوفِّر لها حريتها حرية الفكر، والعقيدة، والسياسة، وغيرها؛ فالمدينة عند جبران (( وجه الإنسان الراحل عن جنسه؛ إذ أن كل ما في المدينة؛ المطامع، وكلما تمدّنت أدوات الحياة استوحش الإنسان... ومن هنا كانت المدينة باطلة وكل ما فيها باطل)) .
والاتجاه نفسه يظهر عند الشعراء الآخرين من ذوي النزعة الرومانسية حيث تشكّل الطبيعة لديهم الحيز الكبير الذي يرتاحون إليه، بعيدا عن المدن وصخبها؛ ولذلك برزت الدعوة صريحة إلى ترك المدن والعودة إلى القرية باعتبار أن(( المدينة سجن مؤبد منفى، وعذاب، وعقاب.)) ، ويعد الشاعر بدر شاكر السياب من الشعراء البارزين الذين استطاعوا التعبير باقتدار عن تجربة الصراع بين المدينة والريف، ففي أغلب أشعاره نجده يتغنى بقريته كثيرا، على عكس المدينة التي غالبا ما كان يهجوها؛ لأنها تحقق مصالح الرأسمالية المتوحشة، وتحتقر الإنسان الكادح، وهو يخلص في معظم قصائده إلى أن المدينة مريضة، والمدينة المريضة هي خلاصة لموقف شاعر تربّى في الريف، ونشأ بين عاداته، ومناخه وأُلفته الحكائية، ويومياته العادية ويذكر عبد السلام الشاذلي أن (( السياب الذي تَرِد في العديد من قصائده أسماء مواضع متصلة بالسياق الحالي؛ كوهران أو بورسعيد قد استطاع في أغان ساحرة بطابعها الشمولي أن يمنح القرية التي ولد فيها أبعاد الوطن بكامله بل وحتى أبعاد الأرض ))، أما مناف منصور فيبرر رفض السياب للمدينة وثورته عليها؛ لأجل الإنسان وقيمه؛ لأجل ألا يمّحي أمام زحف المادة الجائرة ؛ وباختصار فـخصوصية السيّاب هي التي جعلته يتلمّس بصياغة فريدة ونادرة إرث المدينة بعزوفه عنها، أو شتمها تارةً، وبإثارة أسئلة الهامش تارةً أخرى.
3-مالك بن نبي والمذكرات: صدر كتاب " مذكرات شاهد للقرن " للمفكر الجزائري مالك بن نبي المولود بمدينة قسنطينة ( وقيل بمدينة تبسة ) بالشرق الجزائري في : 05 ذي القعدة 1323 هـ الموافق لـ:1905.م والمتوفى في : 04 شوال 1393 هـ الموافق لـ: 1973.م باللغة الفرنسية عام 1966، وترجم الدكتور (عبد المجيد النعنعي ) القسم
الأول منه المُسمّى" الطفل " الذي يروي مذكراته في الفترة بين 1905 و1930 وأخرج المؤلف القسم الثاني من الكتاب باللّغة العربية مباشرة، تحت اسم " الطالب" الذي يروي مذكراته في الفترة بين 1930 و1939.
طبع الكتابَ داران : دارُ الفكر المعاصر .بيروت ـ لبنان ـ ودار الفكر دمشق ـ سوريا
ـ صدر القسم الأول باللغة العربية سنة 1969.م . وأما القسم الثاني فكان سنة 1970.م
استهلّ مالك بن نبي كتابه بتقديم خاص، هو عبارة عن قصة، الأرجح أنها خيالية؛ مفادها أنّ القدر ساق له الكتاب فوجده جاهزا بجنبه وهو يصلي بإحدى مساجد قسنطينة ليكون مرجعا تاريخيا لأبناء الجزائر في الحقبة بين 1905 سنة مولده و1935 سنة انقطاعه عن الدراسة .
تعتبر هذه المذكرات سجلا أمينا لسيرة فرد جزائري ينتمي إلى بيئة عربية مسلمة، ويَعتبر المفكر مولده في هذه الفترة 1905 استفادة بامتياز لا غنى عنها لشاهد ((.. هكذا إذن فقد استفدتُ بامتياز لا غنى عنه لشاهد، حينما وُلدت في تلك الفترة.)) للقرن من خلال أحداث متداخلة ومعقدة في الجزائر وفي العالم العربي والإسلامي كجزء من العالم كله، هو شاهد بصر وبصيرة على وجود اتجاهين آنئذ في الفكر والواقع لعالَمين مختلفين؛ عالَم يقوده اتجاهه صوب التقدّم العلمي والتكنولوجي والهيمنة الاستعمارية للشعوب واحتلال الأوطان ممثلا في فرنسا واحتلالها للجزائر، وعالم الضعفاء يقوده اتجاهه نحو التحرر والانعتاق، يحفظ الفطرة ويتمسك بالتراث ويُحيي قيّم الماضي.
قسَم المؤلف مذكراته قسمين :
*قسم الطفل ويمتد من سنة 1905 إلى غاية 1930، وقسم الطالب من سنة 1930 إلى سنة 1939، وطلب من القارئ أن يتقبل (( هذا الكتاب على أنه أفكار جزائري أراد أن يتحدث إليه من وراء حجاب محتفظا باسمه لنفسه )).
ومن خلال هذه الأسطر سنحاول أن نتعرف على الآخر في " مذكرات شاهد للقرن " سواء كان هذا الآخر مكانا للطفولة أو مؤسسة للعمل أو الدراسة، أو كان شخصا التقى به في الجزائر أو ما وراء البحار .
الآخر : إن الآخر حسب وصف نعوم تشومسكي في كتابه "إعاقة الديمقراطية" نهج الحضارة الغربية إزاء الآخر (ومنه المسلم) بأنه إزالة الآخر، وأنه (حسب تشومسكي) طاعون مستمر، وعند مالك بن نبي فإن الآخر هي ( قسنطينة، تبسة، معلّم القرآن ومعلّمة الفرنسية........) ، فهل يحقق مالك نبي هذا المفهوم؟
1 ـ قسنطينة ( الوجه القاتم والوجه الجميل) :
يتناول مالك بن نبي مذكراته ومواقفه في هذه المدينة ( الوجه القاتم ) في بيت عمه وتحت رعاية وحنان مربيته ( بهيجة) . فقسنطينة في حوالي سنة 1908.م بدأت تتحول أوضاعها الاجتماعية من جراء الاستعمار،فحتى مظاهر النظم التقليدية والعادات المحلية صار يعتريها التغيير الذي لم يكن معروفا في هذه المدينة التاريخية العريقة (( حتى ملابس الرجال شملها هذا التطور المتدهور : ففي شوارع قسنطينة بدأت تختفي العمائم والبرانس المصنوعة من الأقمشة المطرزة.)) فتلك المظاهر التي كان القسنطينيون يتباهون بها ولو كلفهم ذلك بيع أملاكهم ؛ من احتفالات الزواج ومراسم الأعياد والدفن، وغيرها باتت كلها مجرد مظاهر تنبئ عن تبدّل في الجوهر. ولم يكن هذا فحسب، بل ساد لدى بعض الشباب شرب الخمر وتعاطي المسكرات المتاحة في ذلك الوقت (( لقد بدأ المجتمع القسنطيني يتصعلك من فوق ويسوده الفقر من تحت)) . ولقد رافق هذا التفسخَ آثار سلبية نفسية أصابت الجميع،وبخاصة المسنين منهم الذين باتوا لا يطيقون العيش لحظة واحدة ؛ كان من بين هؤلاء جدُّ الكاتب الذي صار يتحين أقرب فرصة للهجرة،وكان له ذلك برفقة شقيقه ابن عم له .
أما وجه قسنطينة الجميل فكان شيء آخر ؛ إذْ أثرت المدينة في حياته في مرحلتيْ الطفولة والشباب، يقول : (( كانت العودة إلى قسنطينة حدثا هاما جاء يغير مجرى حياتي )).
ويقول أيضا في هذا الصدد (( لقد تركْتُ قسنطينة : أمي بهيجة وجدي وكلبه بأسىً شديد،ولكني حملْت معي من تلك الإقامة فائدة واحدة ؛ فالأمور بدأتْ تتصنف في تفكيري وذاتي، ففي تبسة كنتُ أرى الأمور من زاوية الطبيعة والبساطة، أما في قسنطينة فقد أخذْتُ أرى الأشياء من زاوية المجتمع والحضارة واضعا في هذه الكلمات محتوى عربيا وأوربيا في آن واحد )) .
ـ تنوع الثقافة التي تلقاها وفائدة ذلك في تكوينه، يقول ابن نبي : (( هذا الشيخ من الناحية ـ ويقصد عبد المجيد ـ ومسيو مارتان Martinمن ناحية أخرى كونا في عقلي خطّيْن حددا فيما بعدُ ميولي الفكرية )).
وعاد الطفل إلى قسنطينة من جديد ليلقى زوج عمه " بهيجة " تطيرفرحا لقدومه مجرد أن سمعت باسمه، فهاهو اللحظة قائلا Sad( ...وسمعتها تصرخ بفرح وتنزل السلم بسرعة لتحضنني بذراعيها...وأمضيت الليلة الأولى بين ذراعيها...)) .
عاد إلى قسنطينة ليبدأ مرحلة جديدة من حياته رفقة جده الذي كان مهاجرا في ليبيا. وقد صار الاثنان صديقين متلازمين طوال النهار، يسمع منه حكايات ويلاحظ في تجواله امتعاظه لما يرى من مظاهر طبقة الأغنياء المحدثين (( فقد كان يرى أن إطار المجتمع يتغير بشكل أعمق مما كان يظن..)) .
وكانت هذه الملاحظات ترسم في مخيال الطفل تساؤلات، يجيب عن بعضها ويستعصي عليه بعضها الآخر ؛ لأنه لم يكن مجرد رفيق الطريق بشكل عادٍ .
وعادت إلى الطفل حرية التسكع والانطلاق مع أصحابه في هذه البيئة ـ عكس ما كان عليه حاله في " تبسة "، حيث كان أبوه يعنفه ـ وكان لذلك أثره السلبي على دراسته بسبب الدلال الذي كان يلقاه مع مربيته ( بهيجة ) إذ يقول : ((وخلال هذه الفترة التي قضيتها في قسنطينة لم تتقدم دراستي كثيرا، فقد أفسدتني أمي بهيجة بعنايتها الزائدة...)) . وازدادت تصرفات " مالك " السيئة إلى درجة أنه فضل بيع حذائه الجديد الذي اشترته إياه ( بهيجة) لأجل أن يدخل بثمنه السينما مع رفاق له.فاضطرت المربية أن تكتب إلى أهله ليردوه خوفا عليه، إلا أن مغادرته لم تكن بخفيْ حُنين، وإنما كان قد استفاد فائدة واحدة ((..فالأمور بدأت تتصنف في تفكيري وذاتي ... ففي تبسة كنت أرى الأمور من زاوية الطبيعة والبساطة،أما في قسنطينة فقد أخذت أرى الأشياء من زاوية المجتمع والحضارة واضعا في هذه الكلمات محتوى عربيا وأوروبيا في آن واحد .)).
وكانت رغبة العائلة ملحة بأن يكمل " الصّدّيق " دراسته في المرحلة التكميلية ولا يكون ذلك إلا في قسنطينة ولكن هذه المرة في بيت عم آخر يستطيع التحكم في تصرفاته ويجبره على التعلم والمواظبة .
كما كانت مرحلة ما بعد الحرب مرحلة هامة وجديدة بالنسبة لـ "مـالك " لأنه انضم بصفة رسمية إلى المدرسة، وكان يرتاد في هذه الفترة الصالون الأدبي من مقهى ( بوعربيط) حيث النقاش السياسي وعرض بطولة القواد العظام كالمجاهد "الأمير خالد " و" مصطفى كمال " وغيرهما يسيطر على أحادييث الجميع .
وكان للتلميذ في هذه المرحلة ميول إلى المطالعة وقراءة المؤلفات ؛ فلقد قرأ(بييرلوتي Pierre Loti) و( كلود فاريرClaude Farrère)و(l’Alzyade) وفاقدات السعادة Le Desenchanté، والرجل الذي اغتال(L’homme qui assasina ). وهنا بدأ هوس الشرق القديم منه والحديث يأخذ بعقل التلميذ ويستهويه بأمجاده ومآسيه (( ...وكان الحديث عنه يبكيني أو يبهرني، إنما في الحالات جميعها يشدني إل شيء خبيء في نفسي بدأتُ أدركه في شيء من الصعوبة )) .
وقد غذّى هذه الروحَ المتوثبة لديه أفكار بعض المدرسين العرب أمثال (الشيخ مولود بن موهوب) ؛المدرس ومفتي المدينة الذي استطاع أن يغرس في الناشئة ـ ومن بينهم "مالك" ـ آنئذ سيثمر في حينه مع الحركة الإصلاحية الناشئة في الجزائر.
وكان يطالع أيضا كتب مفكرين عرب اعتبرها التلميذ الينابيع البعيدة والمحددة لاتجاهه الفكري، ومنها تحديدا كتاب( الإفلاس المعنوي للسياسة الغربية في الشرق ) لأحمد رضا حوحو، و( رسالة التوحيد ) للشيخ محمد عبده، (( هذان المؤلفان أثرا على ما أعتقد في أبناء جيلي من المدرسيين . وأنا مدين لهما على كل حال بذلك التحول في فكري منذ تلك الفترة .))
فهذه القراءات المتواصلة يعدها بالنسبة إليه قوة أخرى من التنبيه في المجال الفكري التي حالت دون انجرافه في الرومانطيقية التي كانت شائعة لدى جيله من المثقفين الجزائريين .
إنا الأنا سلبي أما الآخر فهو إيجابي ويدلّ السلب والإيجاب في ثنائيات كثيرة يصعب التركيب بينها، فثقافة الأنا تقوم على العاطفة والوجدان أما ثقافة الآخر فتقوم على العلم والإبداع والإنتاج في الفكر ووسائل العمل والتأثير في الطبيعة.وإذا كانت حضارة الغرب حضارة علم فحضارة العرب حضارة أخلاق وأدب وثقافة وفن بوجه عام، والعلم والعقل ثنائية مثل ثنائيات عديدة بين طرفي كل منها تقابل بالتعارض أو التناقص، بين الفلسفة والتصوف، بين المعقول واللامعقول، بين العلم والشعر بين الثبات والتغيير، بين الإرادة والعادة، بين المحسوس والعيني وبين المثال والأنموذج، بين الإبداع والاستهلاك بن أمة تسير في المقدمة تقود الركب الحضاري، وأخرى تسير في المؤخرة، والشمال وأسوؤهم في الشرق والجنوب. كما هو الحال عندنا، وهي ثنائية الجهل والعلم، الضعف والقوة، الشر والخير، الظلم والعدل، والباطل والحق. فصورة الأنا في الأنا تقوم على تصغير الأنا وتقزيمه وصورة الآخر في الأنا تقوم على تكبير وتفخيم الآخر مثلما هو الحال لدى الآخر فصورته لديه تقوم على التعظيم والإكبار والإجلال والتقديس أما صورة الآخر –الأنا عندنا- لديه تقوم على التضعيف والانتقاص وتصغيره إلى أبعد الحدود، وكل صورة من الصورتين صورة الأنا في الأنا والآخر أو صورة الآخر في الآخر وفي الأنا تقوم في غياب الواقع وحقائق العقل والعلم والتاريخ .
2 ـ تبسة ( موطن الأهل ) :
وفي " تبسة " حيث تعيش عائلته الفقيرة التي كانت تجمع بين أفرادها أواصر المحبة والتعاون، كأي عائلة جزائرية بسيطة وتحت وطأة الاستعمار، هنا بدأ يتعرف على حياة أخرى غير التي كان يحياها مع مربيته في قسنطينة (( فبيئة تبسّة تختلف في عدة نقاط عن محيط قسنطينة ...)) ؛ عرف أنه في(( ...العائلة الفقيرة لا بد أن يجوع الصغار متى فقد الأب عمله..)) .
يستعرض السارد ظروف عائلته وهو ابن 6 أو 7 سنوات بأنها: (عائلة فقيرة،هجرة الجد لأبيه إلى ليبيا بعد بيع أملاكه.. وتدهور أحوالهم بقاء الأب ردحا من الزمن بلا عمل ولا مورد عيش لولا حسن تصرف الأم بماكنة خياطتها لسد بعض ضروريات المعيشة، كما أنها كانت حريصة على تعليم ابنها(الصّّّدّيق ) في المدرسة القرآنية، الأمر الذي جعلها تدفع لمعلّم القرآن سريرها الخاصّ( السدة) بدل النقود المفقودة .
ولما كانت موارد العائلة شبه منعدمة كانت الأم تُعدّ لهم " الرفيس " ـ وهو نوع من الحلوى الشرقية تصنع من الطحين والسكر والتمر والزيت ـ
ـ كانت تربية أبيه له كابحة لجماح الطفل الذي يريد أن يكتشف العالم الذي حوله وهو المؤهل إلى ذلك، وأما عند مربيته ( بهيجة) فيجد الحرية والانطلاق لتلبية رغباته الطفلية .
هذه بعض مظاهر" تبسة " ـ مسقط الرأس ـ البائسة .
أما " تبسة " التاريخ وعبق الحضارة فقد كان له حضوره في حياة الأديب مالك ابن نبي حيزا كبيرا ((ففي هذه الفترة كانت المدينة قابعة تقريبا داخل حدودها البيزنطية القديمة..)).
وكذلك كانت " تبسة " العادات والتقاليد التي لم تتخلّ عنها ـ على عكس قسنطينةـ (( فلا يزال طعامهم الشائع الكسكسي والفطائر وشرابهم الماء القراح. لقد تمكنت تبسة من المحافظة على روحها القديمة وعزتها بفضل بساطة الحياة فيها وجدب تربتها.)) .
وفي مجال المقارنة بين ما كان يتلهى به أطفال قسنطينة وأطفال تبسة، يقول : (( فأطفال مدينتي الأولى قسنطينة أكثر رفاهية وبالتالي فقد كانت لعبهم أكثر أناقة ورقة.)) بل لم يكن هذا فحسب، وإنما حتى طريقة اللعب مختلفة تمام الاختلاف بين المنطقتين ؛لأن في الأخيرة يعتمد اللعب على القسوة والصلابة المتأثرة بالبيئة المحلية . أما " مالكا" فقد كانت هوايته المفضلة السطو على شيء من الأثمار بعد ظهر كل أربعاء، عندما كان المعلم يصفهم قبل الوقت بعد أن يستخلص منهم قطعة نقدية من فئة القرشيْن.فهذا الوقت كان بالنسبة إليه مناسبا جدا.
وبعد أن تحسنت أوضاع العائلة بعض الشيء بسبب الوظيفة الجديدة التي حصل عليها الأب في المجمع المختلط لتبسة أُدخل الطفل المدرسة الفرنسية ليصير حبيس المدرستيْن(المدرسة القرآنية من جهة والفرنسية من جهة أخرى ) فذاق الطفل ـ الذي لم يشبع بعد اللعب ـ ذرعا بالوضع، وصار يتغيب عن المدرسة القرآنية، ولم يكن الأب ومعلم القرآن يغفلان معاقبته كل مرة، فساءت حاله فيهما كلتيهما، خاصة بعدما أيقن أبوه بفشله في حفظ القرآن الكريم ؛ لأنه لم يتجاوز سورة ( سبّح ) .

3 ـ معلّم القرآن والعربية ومعلّم الفرنسية
لم يكن الأول يتوانى في تحفيظ الأطفال كتاب الله تعالى، إلا أنه لم يستطع الاحتفاظ بالطفل "مالك " ولا بترغيبه في البقاء في الكُتّاب، ولم يكن يفوت له تغيبه ؛لأنه لم يفهم الضغط الذي كان يمارَس عليه وهو في سن اللعب والانطلاق والفكاك من كل القيود .
أما معلم العربية " عبد المجيد " الذي كان يقدم دروس النحو كل صباح في الساعة السابعة بالمسجد، فقد كان له الأثر البالغ في تكوين التلميذ " مالك" إذ تلقى على يديه أسس الثقافة العربية، وحفظ شيئا من الشعر.
أما معلّمة الفرنسية ـ الفرنسية الجنسية ـ فكان الأمر معها مختلفا تماما، لأنها لا تزال في ذاكرته : (( ...( مدام بيل) التي أحفظ لها حتى اليوم ذكرى حانية.))
وقد تعلّق بها إلى درجة أنه عَدَّها كأمه التي تَربَّى في حجرها، ويصف ذلك قائلا : ((ولكن الذي بقي في ذاكرتي هو الحب الصاعق الذي جذبني بقوة نحو(مدام بيل)...)) .
يضاف إلى ذلك اسم الأستاذ بوبريتي( Bobreiter) الذي ترك في فكر التلميذ توجيهاتٍ قيمةً فيما يقرأ من كتب (( فقد قرأت هذه السنة (التلميذLa Disciple) لـ (بيار بورجي ) . وهده القصة فتحتْ أمامي علم النفس الذي أتاح لعقل فتيّ كعقلي أن يتخلى عن شيء من أوهامه وسذاجته.)).
قضى الطفل هذه المرحلة بين مدارس قسنطينة وأهلها وبين ناس تبسة أسرته وأهله.

*أما القسم الثاني : قسم الطالب
فقد تناول حياةَ الراوي ( مالك بن نبي) الدراسية والسياسية بباريس وبمدن وقرى أخرى في فرنسا ما بين 1930 و1939 أي9 سنوات، وهو من بلد مستعمَر سافر للدراسة استطاع أن يطلع على ما كان يجري في العالم من أحداث سياسية وتطورات اقتصادية وتحولات اجتماعية وثقافية وتقلّبات عسكرية، بل وتكشف لديه جليا أمر فرنسا ذو الوجهيْن، وأيقن بأنه لا سبيل لتحضر الشعوب المستعمرة إلاّ إذا تخلّصت من الاستعمار ولا يمكنها ذلك إلاّ بالتخلّص من القابلية للاستعمار وهي ظاهرة أخطر من الاستعمار ذاته .
ومثّل هذا القسم الثاني من الكتاب فترة أقصر من الأولى تسع سنوات سبقت الحرب العالمية الثانية وكانت حافلة هي الأخرى بالأحداث والتحولات غيّرت وجه الحياة في العالم بعد ذلك،وكان صاحب المذكرات يهدف من وراء هذا العمل التأريخ كما يقول: ((وربما يَعجب هنا أولئك المثقفون الذين أصبحوا لا يدركون لغة الشعب الجزائري المسلم، إنني لا أكتب هذه المذكرات من أجلهم، ولكن للشعب عندما يستطيع قراءة تاريخه الصحيح، أي عندما تنقصي تلك الخرافات التي تَعْرض أحيانا أفلاما كاذبة، والتي سيكون مصيرها في صندوق المهملات مع مخلّفات العهد الاستعماري (( .
وكان أبرز حدث سفرَ ابن مالك هذه المرة إلى فرنسا مرة أخرى بعد أن سدت في وجهه السبل، قائلا : ((وجدت نفسي أقول وأنا متكئ على حافة الباخرة: يا أرضا عقوقا! .. تُطعمين الأجنبي وتتركين أبناءك للجوع، إنني لن أعود إليك إن لم تصبحي حرّة !...)).
ترك الصدّيق الوطن والوالدين والإخوة والخلاّن والجيران و" تبسة " والشرق الجزائري والجزائربرمتها تحت وطأة الاستعمار الفرنسي، وسرد قصصه الكثيرة والمثيرة، مع شوارع باريس ومع الفندق ومع بنات باريس الطائشات ومع بزّته الخارجة عن الذوق المألوف بلونها المشرق، يقول: ((هكذا استقبلتني باريس بوجه بناتها الطائشات الكاسيات العاريات العارضات لزينتهن وعرضهن دون أي شعور بالإثم. ولكنّ لباريس وجوه أخرى لا يكتشفها المرء عند نزوله. وقد كانت تجولاتي الأولى مجرد محاولات غير جريئة للتعرّف عليها في العالم الجديد الذي أصبحت فيه )) .
لكنّه لم يكن ينظر إلى وضعه الجديد بعين الإنسان العادي بل بعين ثاقبة لأنّ باريس ليست فقط طيشا وفسقا وخمرا بل لها وجهها الروحي المسيحي والحضاري والعلمي.
بدأ حياته اليومية ـ وهو ينتظر الترشح إلى للدخول إلى معهد الدراسات الشرقية ـ مع العمال رفاقه في الهجرة، وهنا بدأت ملاحظاته حول ما يرى أمامه كل يوم من حياة الفرنسيين، وساقته قدماه إلى متحف الفنون والصناعات بقرب باب ( سان دونيس) متمعنا في الوسائل التكنولوجية المتطورة ( القاطرة الأولى التي تحركت بالبخار، والطائرة التي عبَر عليها( بليرويو) بحر المانش وغيرهما.
وببزته الشرقية كان يجوب الشوارع فيخطئ العبور بين الرصيفين في سكة (المترو) فيؤمر بالتوقف لأن الأمر خطير في مثل هذه الظروف ويحدث له أحيانا أن يضل سبيله فتطوقه السيارات من كل جانب، وقد يتسبب في فوضى عارمة فيصدم حينما ينادَى بـ ( العبيط أو البليد...) ولكن هي باريس التي قدم إليها من"تبسة " .
ومن غرائب الأمور التي قد تحصل لأي غريب وافد على بيئة غير بيئته ومع أناس لا يعرفهم أن يتعرف " مالك" ـ وهو الرجل الشرقي المسلم ـ على جمعية تدعى ( الوحدة المسيحية للشبان الباريسيين) فيقول عن ذلك : (( هذه اللحظة كانت تعرّضني لأول اختبار أخلاقي يواجهني في العالم الجديد الذي أصبحت أعيش فيه))
وهنا يسترسل الكاتب في عرض أساليب الإغراء من لدن هذه الفئة الشبانية المسيحية،وبشاشة مدير النادي ( هنري نازيل ) الذي يجمعهم تحبيبا في ضمه ومَنْ معه إلى جمعيتهم، وكانوا لا يتوانون في تقديم الخدمات من أجل ذلك .
جانب آخر يكتشفه " الطالب مالك " حين يتقدم إلى امتحان الدخول إلى معهد الدراسات الشرقية، وقد أعد نفسه لذلك اليوم ونهض باكرا وكان أمر الامتحان سهلا ميسورا بالنسبة لأمثاله، إلا أن المفاجأة التي قلبت في فكره الموازين أن الدير استدعاه ((...وفي هدوء مكتبه الوقور شرع يشعرني بعدم الجدوى من الإصرار على الدخول إلى معهده، فكان الموقف يجلي لنظري بكل وضوح هذه الحقيقة: إن الدخول لمعهد الدراسات الشرقية لا يخضع ـ بالنسبة لمسلم جزائري ـ لمقياس علمي وإنما لمقياس سياسي .))
فقد نزلت كلمات هذا المدير (( نزول سكين المقصلة على عنق المعدم)).
عاد الطالب مثقل الخطى، يفكر في مصيره ويندب حظه التعس، حتى برق له بريق الأمل على لسان صديق فرنسي يدعى( رونيه) الذي طلب إليه تغيير وجهته حيث مدرسة اللاسلكي فانتسب إليها ولكن بِزادٍ في مادة الرياضيات قليلٍ لولا كتبُ الأب (مورو) التي تتضمن دروسا في الجبر والهندسة والكهرباء والطبيعة والميكانيك، كانت في متناول الطالب الجديد في مدرسة جديدة لم يكن يفكر فيها.
وهذا جانب آخر كانت توفره باريس للقراء والمتطلعين إلى المزيد في المكتبات العامرة،ومع الكتب المختلفة . فكانت هذه حياة أخرى بالنسبة إلى الطالب((وكنت بهذا الطريق أيضا،أدخل الحضارة الغربية من باب آخر، بعد أن دخل من باب (وحدة الشبان المسيحيين الباريسيين) .))
لم يمكث " مالك " في مدرسة اللاسلكي طويلا، بل نراه يغير وجهته مرة أخرى عندما يعود إلى الحي اللاتيني حيث الصراع محتدم بين الإخوة المهاجرين (الطرف التونسي) من جهة و(الطرف المراكشي) من جهة أخرى بهدف توحيد الصف بين طلبة الشمال الإفريقي المسلمين. وفي هذا الحي تعرف الطالب على وافد جديد يدعى ( حمودة بن الساعي ) الذي كان متخصصا في شؤون العالم الإسلامي، والذي بفضله تحولت انشغالاته من اللاسلكي إلى قضايا الفلسفة وعلم الاجتماع والتاريخ. يقول عن هذا التحول (( لم يبق للأفق البعيد أي تأثير في توجيهي، ولكنني بدأت أشعر بآفاق جديدة لازالت غامضة، ولم أكن أستطيع التعبير عنها بكلمات ولكنها تؤثر بوخزها ف نفسي على توجيهي العام.)).
وكان الرجلان المقبلان على العلم والمعرفة إقبال النهم على الطعام كثيري النقاش في أمور مختلفة (( كانت هذه المناقشات متنوعة، علمية أحيانا وسياسية أخرى ودينية اجتماعية غالبا، أو مجرد نقد لتسيير الأمور في الجزائر من طرف المسؤولين عن المعركة الإصلاحية أو الحركة الوطنية.)).
كان " مالك " يستفيد كثيرا من مناقشات رفيقه الجديد في شتى المجالات، ولا سيما الموضوعات الإسلامية التي كان فيها " حمودة " متخصصا، إلا أنه كان بحاجة إلى منهجية علمية التي اكتسبها " مالك" بفضل الدراسات الرياضية من مدرسة اللاسلكي، وبفضل أستا\ة الفرنسي الذي اكتشف فيه هذه الميولات العلمية.
ولم تكن زيارات الصديق ـ أو الزوار الآخرين ـ تخفى على عيون الآخر؛لأن هذا الأخير لا يترك الأمور للصدفة، بل يقدم من أجل خدمة وطنه كل شيء ؛ فهذه عجوز جارة لـ " مالك " لا تتوانى في التجسس عليهم متى قدم زائر ولم تكن تثير انتباه أحد إلا لمَن يعرف طباع هذا الآخر( خديجة زوج مالك) التي (( نشأ عندها تساؤل عن سبب تردد العجوز على المرحاض في المناسبات نفسها ـ أي كلما حضر حمودة بن الساعي أو غيره من الزوار ـ وقامت بتحقيق سريع عن طبيعة المكان من الناحية السماعية...وهو أن العجوز استمرت في مهمتها، فتأتي إلى المرحاض وتفتح النافذة التي أغلقتها زوجي، ثم تنساها مفتوحة عند ذهاب زائرنا .. إذن لن يبق مجال للشك أن المكان كان مرصدا ...)) ؛ لأن المرحاض كان مشتركا بين الجيران شأنه شأن الحنفية أيضا.

كانت ذكريات " الصدّيق " بعد وفاة والدته وعودته إلى فرنسا قاسية وكانت تصاحبه دوما صورة الحياة المزرية في الجزائر وصورة الحياة في الغرب الأوروبي وقصصه مع السفارة المصرية والإيطالية والأفغانية والألبانية وغيرها قصصه مع البوليس الفرنسي الذي كان يراقب نشاطه واتصالاته بأصدقائه،وشعوره بخيبة أمله في الحراك الوطني الجزائري آنذاك، إخفاقاته في الامتحانات وفي طلبه العمل وفي محاولات سفره خارج فرنسا خاصة إلى أرض الحجاز، بؤسه إلى درجة طلبه الموت، هذه الحال يقول فيها الراوي: (( إن إيطاليا الفاشية لم تعطني الفرصة، و”سودرية” ومدرسة الميكانيكا والكهرباء خيّبا رجائي، والأمين العمودي لم ينشر مقالي في صحيفته، والمؤتمر الجزائري تبخّر وخاب ظني في الإصلاح والعلماء المصلحين، وأصبحت أتساءل ماذا أفعل؟ بدأ هذا السؤال الذي طالما تردّد في نفسي بعد خروجي مدرسة قسنطينة، يتردّد على ذهني من دون جواب. وبدأت أشتم في نفسي رائحة الغرق… )) .
وفي خضم التحولات الجارية وموقفه منها يقول مالك بن نبي : (( وبلغت الأزمة أوجها يوم 27 أيلول “سبتمبر”، فنظمت ذلك اليوم الحركات اليسارية تظاهرة دعي إليها النادي فكنت ممثله، وبدأت في القاعة المكتظة الخطب حسب التقليد المألوف، فأتى دوري فتلخص خطابي في اقتراح: يجب على هذا المؤتمر للقوى التقدمية أن يوجه اليوم برقية إلى الحكومة يطالبها بمنح شعوب الشمال الإفريقي حقوقها، حتى تدخل المعركة من أجل الديمقراطية شاعرة بكرامتها لا بوصفها مرتزقة. في آخر الجلسة قرأت على الحاضرين لائحة التوصيات، فلم أجد فيها اقتراحي ولا مجرد التلميح إليه، اقتحمْتُ المنصةَ لألفت النظر إلى هذا النسيان ولم أصرح بأنّه تناسٍ، فهاجت القاعة وخصوصا السيدات تهتف لي )).

استنتاجات : ( موضوعاتية
1 ـ الموضوعاتية:
ـ استيعاب أحداث عصره ( في الجزائر، في الوطن العربي، في العالم بقطبيه الحرب العالمية...).
ـ تعرف مالك بن نبي في أيامه هذه على الوجه الحقيقي الجميل للحضارة العظيمة في فرنسا،وهو غَيرُ ذلك الوجه القبيح الكريه الذي تبرزه في مُستعمراتها وهناك أيضًا تعرف على حفنة من الشباب العربي، وخصوصًا المغاربي الذي رمت به الأقدار مثله تماما.
ـ التخرج من المدرسة والسؤال الكبير: ما العمل الآن؟.
ـ لا مجال لليأس من النجاح على الرغم من الفشل والإقصاء( التوجيه أول المسار غير المرغوب فيه (عدل في الشرع الإسلامي ؛ لأن والده كان موظفا في القضاء الإسلامي ) الاتجاه إلى"مدرسة اللاسلكي" الباب الذي فتحَ لمالك بن نبي فيما بعد آفاقا رحبة في شتى العلوم التطبيقية، والاستفادة منها في صياغة وتشكيل أفكاره ونظرياته فيما يتعلق بمشكلات الحضارة العديدة والمتنوعة، ومنها مشكلة بلاده المُستعمَر الجزائر.
لا وظيفة قبل سن 22، الإخفاق في الدخول إلى الدراسات الشرقية بفرنسا لأسباب سياسية لا علمية) يقابلها التحدي والإصرار ( السفر لإكمال الدراسة وللعمل تجريب العمل في أي مهنة ولو بلا مقابل التجارة ).
ـ الحلم ( بعمل قار، محام في تبسة، مقاول، صاحب مزرعة، تاجر، السفر إلى تمبوكتو(مالي) أو أستراليا.
ـ النشاط الدؤوب ( التنقل بين تبسة وقسنطينة، بينهما وبين عنابة وآفلو، فرنسا أكثر من مرة على الرغم من شظف العيش وقلة ذات اليد، رئيس جمعية " فرنسا والشمال الإفريقي " /نائب رئيس جمعية الطلبة المسلمين لشمال إفرقيا / مدير بالمركز الثقافي في مرسيليا ) .
ـ الشجاعة في الدفاع عن أصالته وقيم دينه الإسلامي لا سيما بعد التحاق الطبقة المثقفة من العالم العربي والإسلامي بفرنسا .
ـ جاءت تحاليله المنهجية بين عقلانية ديكارت وعبقرية ابن خلدون ليعالج من خلالها مشكلات الحضارة .
ـ اكتشاف من سفرياته المتكررة إلى فرنسا وعودته إلى الجزائر أن المعمر يكيل بمكيالين(مكيال فرنسا الحرية والعدالة والمساواة مع أهلها / ومكيال فرنسا الاضطهاد والتجويع والتفريق والمسخ الديني والأخلاقي ) .
ـ تعلم اللغات 14 لغة
ـ التحصّن بالتراث والأصالة وبالقيم الإسلامية ( وهو ضمن مجموعة من الوحدة المسيحية للشبان الباريسيين “جمهورية تريفيز”. )
ـ التأثر بشخصيات بارزة في المجتمع ( ابن باديس، الشيخ سليمان الإصلاحي،)وبكُتّاب مشاهير ( أحمد رضا، محمد عبده، الفيلسوف الفرنسي كونديلا شاتو بريان، لامارتين )
ـ كان كثير الاهتمام بالقراءة والمطالعة التي تولدت عنده في حانوت بقّال المدعو( سي الشريف) لكل ما يقع تحت يديه من الصحف التي كان البقال يلف فيها سلع زبائنه، وهناك كانت أخبار ح.ع.1 قريبة منه.ثم تطورت مطالعاته لينتقل إلى الكتب؛ مثل : ( رسالة التوحيد لمحمد عبده، الإفلاس المعنوي للسياسة الغربية في الشرق، فاقدات السعادة، Pierre Lotti وClaude Farriera ) فهو يقول عن مثل هذه المؤلفات (( كانت هذه المتب تصحح مزاجي ذلك الحنين إلى الشرق تركه في نفسي كتب Lott،و Farriera وحتى لا مارتين أو شاتو بريان، فعرفت تاريخ الشرق وواقعه وأدركت بذلك ظروفه البائسة الحاضرة)).
وعن كتاب كونديلا Candilla الفيلسوف الفرنسي في علم النفس يقول المفكر :
(( لست أدري أي كسب علمي حصلت عليه مع كونديلا Candilla، إنما هذا الكتاب وضع عقلي وأفكاري وفضولي، أو بالأحرى ثقافتي باتجاه محدد )).
إن سارتر مثلا مثل مالك بن نبي يطرح العلاقة المعرفية بين الأنا والآخر في إطار فينومينولوجي (ظاهراتي) متأثرا في ذلك ب " هوسرل " فالآخر في اعتقاد سارتر " هو ذلك الذي ليس هو أنا، ولست أنا هو ". وفي حالة وجود علاقة عدمية بين الأنا والآخر، فإنه لا يمكنه " أن يؤثر في كينونتي بكينونته "، وفي هذه الحالة ستكون معرفة الآخر غير ممكنة .

Copy and WIN : http://bit.ly/copy_win
أما اهتمامه بالشرق بخاصة والمهووس به يقول صاحب المذكرات : (( لقد بدأ الشرق القديم منه والحديث يستهويني بأمجاده ومآسيه، وكان الحديث عنه يبكيني أو يبهرني، إنما في الحالات جميعها يشدني إلى شييء خبيء في نفسي بدأتُ أدركه في شيء من الصعوبة )) .
ـ يجب أن تكون الأمور ـ حسبه ـ شاملة لجميع أوجهها، كما يجب أن لا تكون مبتورة من سياقها، كي نستطيع أن نعيها ونفهما بالشكل الذي يُعيننا على حلها أو تطبيقها أو تعديلها.
القدرة على تحليل الأمور بعد حسن المشاهدة ( كان الطفل يضيق ذرعا من طريقة التلقي أو التلقين في المدرسة القرآنية التي لم يخرج منها إلا بسورة " سبّح " على الرغم من معاقبة أبيه له في كل مرة على تغيباته عنها، في المقابل إقباله على المدرسة الفرنسية وحبه لأستاذاتها وجعل إحداهن في مقام الأم Mme Bill ) .
ـ كانت تربية أبيه له كابحة لجماح الطفل الذي يريد أن يكتشف العالم الذي حوله وهو المؤهل إلى ذلك، وأما عند مربيته ( بهيجة) فيجد الحرية والانطلاق لتلبية رغباته الطفلية .
أثر مدينة قسنطينة في حياته في مرحلتي الطفولة والشباب، يقول : (( كانت العودة إلى قسنطينة حدثا هاما جاء يغير مجرى حياتي )).
ويقول أيضا في هذا الصدد (( لقد تركْتُ قسنطينة : أمي بهيجة وجدي وكلبه بأسىً شديد،ولكني حملْت معي من تلك الإقامة فائدة واحدة ؛ فالأمور بدأتْ تتصنف في تفكيري وذاتي، ففي تبسة كنتُ أرى الأمور من زاوية الطبيعة والبساطة، أما في قسنطينة فقد أخذْتُ أرى الأشياء من زاوية المجتمع والحضارة واضعا في هذه الكلمات محتوى عربيا وأوربيا في آن واحد )) .
ـ تنوع الثقافة التي تلقاها وفائدة ذلك في تكوينه، يقول ابن نبي : (( هذا الشيخ من الناحية ـ ويقصد عبد المجيد ـ ومسيو مارتان Martinمن ناحية أخرى كونا في عقلي خطّيْن حددا فيما بعدُ ميولي الفكرية )).
ـ وفي علاقته مع أبناء الأوربيين يقول : (( كان هؤلاء الأوربيون يستقطبون تفكيري وخاصة طلاب المدارس الثانوية منهم، حين كنت أراهم أيام الآحاد يتنزهون تحت إشراف ناظر مدرستهم ...وكان الخيال ينطلق بي معهم ؛فهؤلاء سيصبحون محامين أوأطباء أوأساتذة، أما أنا فقد حُكم عليّ بأن أكون عدلا )).
ـ تكشف المذكرات عن نضال صاحبها السياسي وفي ميدان الحركة الوطنية، كما تكشف عن مواقفه من الاستعمار ومن الأحداث والتطورات التي عرفتها المرحلة المحلية الجزائرية والإقليمية العربية الإسلامية والدولية، وتُبين في الوقت ذاته عن رؤاه النقدية في المنهج الإصلاحي السائد وفي مواقف التيارات الفكرية والسياسية الجزائرية .
خاتمة :
لم يكن مالك بن نبي (الطفل في الجزائر بين قسنطينة وتبسة والطالب في فرنسا ) ـ حسب مذكراته ـ طفلا أو طالبا عاديا، بل كان صاحب فكر ورسالة وكلمة وموقف،و صاحب مشروع فكري نهضوي حضاري، بانت إرهاصاته في طفولته بملاحظاته ومحاولة الإجابة عنها وفي شبابه بصاحب مشروع تَجاوزَ به أقرابه في الجزائر وتفوّق حتى على النخبة منهم في المدارس الفرنسية ومعاهدها. تكوّن فيها بالعناية الإلهية التي هيّأت أسبابه، فكان إعداده الأوّلي الإسلامي العربي الجزائري الأصيل المتين حصنا منيعا .
وجاءت سفرياته العديدة من تبسة إلى باريس ذهابا وإيابا على الرغم من الصعوبات والمشاكل التي كانت تعوقه، ثم جاء تكوينه العلمي الرياضي، ثم تكوينه التقني العملي،بالإضافة إلى تكوينه الفلسفي وتنوع ثقافته.
بفعل ذلك كلّه تشكّل لديه منهج خاص محكم في التفكير، ومنطق دقيق في التعامل،وأسلوب مزج فيه بين بعد النظر والدّقة العلمية والعمق الفلسفي.، فكان فعلا مفكر عصره، وابنَ خلدون مِصره .

هوامش:

مدير المنتدى
Admin

عدد المساهمات : 166
تاريخ التسجيل : 18/02/2012
الموقع : rihabalkalimah.cultureforum.net

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ichkalat.forumalgerie.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى