مجلة إشكالات في اللغة والأدب
مرحبا بزوار المنتدى وقراء مجلة [ إشكالات ].. نرجو منكم الانضمام إلى أعضائه والتواصل مع أسرة المجلة.

محاذير كتابة المصحف الشريف بالرسم الإملائي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

محاذير كتابة المصحف الشريف بالرسم الإملائي

مُساهمة  مدير المنتدى في الخميس يناير 28, 2016 6:58 pm

محاذير كتابة المصحف الشريف بالرسم الإملائي

د/ عادل مقراني.
جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية-قسنطينة -


ملخص:
[تحدثت في هذا البحث عن محاذير كتابة المصحف الشريف بالرسم الإملائي؛والتي تتصل بجوانب متعددة، فمنها ما يتعلق بتاريخ كتابة المصحف الشريف، من جانب وثاقته ،وتاريخ كتابته وتدوينه،ومنها ما يتصل بلغته ،من ناحية اندثار بعض لغات العرب ،ومخالفة هدي الصحابة ،ومنها ما يرتبط بطريقة تلقين القرآن الكريم ،من جهة حفظه وتحفيظه ،ومن جهة مخالفة منهج القراء والأئمة في تلقينهم الطلاب للقرآن والقراءات القرآنية، وختمت هذه المحاذير بالتطرق للمحاذير المتعلقة بفهم القرآن وتدبره.]
Summary:

] In this research ,I have tackled the precautions of writing in the holy book (the Quran).These precautions are linked to various sides, among which those that connected to the history of writing the Quran from the view of its relevance, history of writing and recording it; and those that are connected to its language, from the angle of the extinction of some languages, the breaking of followers ‘guidance (God be pleased with them). Moreover, other precautions concern the way the Quran is taught (its learning by heart and its teaching), breaking of the approaches of the priests and leaders in their teaching the Quran and its different readings to students. Finally, I have mentioned the precautions that are related to the understanding and contrive of Quran.[




تمهيد:
لم تعرف البشرية عبر تاريخها الطويل كتابا حظي بالعناية والاهتمام على مر الأزمنة والعصور مثل القرآن الكريم، من حيث ترتيله وتحقيق قراءاته وكتابته، وطباعته، وبيان أحكامه ومعانيه ورسم حروفه, وشهدت القرون المتعاقبة من عمر هذه الأمة أئمة أعلاما أوقفوا أنفسهم خدمة لكتاب الله في علومه المختلفة، وقد أخذ رسم القرآن الكريم قسطا وافرا من جهود علماء الرسم والقراءات، الذين سلكوا في إيضاحه سبلا عدة ومناهج مختلفة متكاملة؛ بحسب مقدار اغترافهم من علومه، ومقدار ولوجهم في بحاره, ,وكل هذه الجهود تصبو لخدمة كتاب الله تعالى.
المبحث الأول
مقدمة تمهيدية.
وتتضمن هذه المقدمة التمهيدية التعريف بمصطلحات عنوان البحث ؛بهدف بيان القصد من هذه الدراسة،وهي: المحاذير، والمصحف، والرسم، والإملاء ،مع بيان أقسام الرسم.
الفرع الأول: مفهوم المحاذير، والمصحف، والرسم، والإملاء .
أولا: المحاذير:
أ- لغة: (ح ذ ر) بتصاريفه المختلفة له جملة معانٍ، وهي:
1-التأهب والاستعداد والتيقظSadح ذ ر)Sadحَذَرًا ) من باب تعب و(احْتَذَرَ) و(احْتَرَزَ)كلها بمعنى استعدّ وتأهب، فهو(حَاذِرٌ)،و( حَذِرٌ )، والاسم منه ( الحِذْرُ ) مثل حِمْل، ورجلٌ حَذِرٌ وحُذُرٌ وحاذورةٌ وحِذْرِيان: متيقظ شَدِيد الحذر، وحاذر متأهب معد كأنه يحذر أَن يفاجأ. ( )
2-الخوف والفزع: و(حَذِرَ الشَّيْءَ)إذا خافه فالشيء(مَحْذُورٌ) أي مخوف،(حَذَّرْتُهُ) الشيء بالتثقيل (فَحَذِرَهُ) و(المَحْذُورَةُ) الفزع، والتَحْذيرُ : التخويفُ. فمن قرأ الآية ((وَإِنّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ)) [الشعراء: ٥٦] فمعناه: إنّا نخاف شَرَهَّم،والحِذارُ: المُحاذَرَةُ ورجلٌ حِذْرِيانٌ:شديد الفزع والحَذَرِ.( )
ب- والمقصود بالمحاذير في البحث: ما يُتخوف وقوعه حال كتابة المصحف بالرسم الإملائي.
ثانيا: المصحف:
أ‌- لغة: (مُصحف) بتثليث الميم ( ) والضم هو الأصل ( ) والأشهر، والجميع لغات صحيحة ، قال ثعلب في لغة الفتح:"لغة صحيحة فصيحة" ( ) ،ونسب الفراء الكسر إلى لغة العرب، قال الفرّاء وهو من أئمة اللغة:"وقد استثقلت العرب الضمة في حروف فكسرت ميمها، وأصلها الضم، من ذلك مُِصحف( ) فنسب هذا للعرب.
وقال في المخصص:"تَمِيم تَقول المِغْزَل والمِصْحَف والمِطْرَف، وَقيس تَقول المُغْزَل والمُصْحَف والمُطْرَف".( )
ب‌- المصحف اصطلاحا:" الصحف الأوراق المجردة التي جمع فيها القرآن في عهد أبي بكر، وكان سورا مفرقة، كل سورة مرتبة بآياتها على حدة لكن لم يرتب بعضها إثر بعض، فلما نسخت ورتب بعضها إثر بعض صارت مصحفًا". ( )
قال الأزهري:"وإنما سُمي المصحف مصحفا لأنّه أصحف، أي جُعل جامعا للصحف المكتوبة بين الدفتين"،( ) فهذا أصل اشتقاقه، وسبب تسميته، ثم استمر إطلاق اسم المصحف على ما بين الدفتين،حتى صار يقصد به القرآن الكريم نفسه، تسمية للشيء باسم المكان الموجود فيه، والمتخذ له. واختلف الباحثون في تسمية القرآن الكريم باسم المصحف؛ فبعضهم يرى جواز تسمية القرآن الكريم مصحفا، وبعضهم لا يرى ذلك؛فالصحابة لما كتبوا القرآن الكريم في تلك الصحف متفقون على أن ما فيها هو كلامُ الله تعالى،فاتخذوا لما كتبوا اسما غير ما عُرِف عندهم من أسماء القرآن الكريم، فسموه مصحفا ( ).
ثالثا: الرسم :
أ‌- لغة:"(ر س م) الراء والسين والميم أصلان: أحدهما الأثَر، والآخر ضربٌ من السير.فالأوّل الرّسْم: أثَرُ الشَّيء. ويقال ترسَّمْتُ الدّار، أي نظرتُ إلى رسومها. قال غيلان:
أأَنْ ترسَّمْتَ مِن خَرقاءَ منزِلَةً *** ماءُ الصَّبابةِ من عينَيْكَ مسجومُ
وناقةٌ رَسومٌ: تؤثِّر في الأرض من شِدّة الوطْء ،وأمّا الأصل الآخَر فالرَّسيم: ضَرب مِن سَير الإِبل".( )
والرسم بمعنى الأثر هو المقصود هنا، فالرسم أثر الشيء أو بقية أثره،وقد استعير للدلالة على خط المصحف إشارة إلى معنى الأثر القديم، وكان استخدام لفظ الرسم بهذا المعنى قد ظهر متأخرا على يد الحافظ أبي عمرو الداني في كتابه المقنع.
ب-اصطلاحا:"وهو تصوير اللفظ بحروف هجائية، غير أسماء الحروف، مع تقدير الابتداء والوقف".( )
رابعا:الإملاء.
أ-لغة: "من أَمَلَّ الشيءَ:قَالَهُ فكُتب.وأَمْلاه:كأَمَلَّه، عَلَى تَحوِيل التَّضعيف،وفي التنزِيلِ: ((فَلْيُمْلِلْ وَلِيّهُ بِالْعَدْلِ )) ،وهذا من أَمَلَّ،وفي التّنزيل (( تُمْلَىَ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً))، وهذا من أملى. وقال الفرَّاءُ: أَمْلَلْت لغة أهل الحجازِ وَبَنِي أَسد، وأَمْلَيْت لغة بني تميم وقيس. يُقال: أَمَلَّ عليهِ شيئا يَكتُبهُ وأَمْلَى عليه، ونزل القرآن العزيز باللغتين معا. ويُقال: أَمْلَلْتُ عَلَيْهِ الْكِتَابَ وأَمْلَيْتُهُ. يقال: أَمْلَلْتُ الكتاب وأَمليتهُ إذا ألقيته عَلَى الْكَاتِبِ ليكْتُبَهُ"( ).
ب-اصطلاحا:"هو قانون تعصم مراعاته القلم من الخطأ في الكتابة،كما تعصم مراعاة القوانين النحوية والصرفية اللسان من الخطأ في القول"( ).
الفرع الثاني: أقسام الرسم ( ):ينقسم الرسم في الاصطلاح إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول:الرسم القياسي:ويسمى أيضا الرسم الإملائي،وهو الذي وضع علماء البصرة والكوفة قواعدَه، مستمدين ذلك من المصاحف العثمانية ومن علم النحو والصرف. وهذا الرسم وإن كان فُصِّل وبُوِّب، إلا أنه لم يتفق عليه واضعوه،وهو عرضة للتغيير ، والتبديل، والتطوير، وهو المستعمل في كتابتنا العادية.
وأما تعريفه:"هو تصوير اللفظ بحروف هجائية ، غير أسماء الحروف،مع تقدير الابتداء والوقف"( )، وقال ابن خلدون:"رسم أشكال حرفية،تدل على الكلمات المسموعة الدالة على ما في النفس".( ) وقيل:"تصوير خطي لأصوات الكلمات المنطوقة، يتيح للقارئ أن يعيد نطقها طبقا لصورتها التي نطقت بها".( )
القسم الثاني: الرسم العَروضي:"وهو ما اصطلح عليه أهل العَروض، في تقطيع الشعر، واعتمادهم في ذلك على ما يقع في السمع،دون المعنى المعتد به في صنعة العروض، إنما هو اللفظ؛ لأنهم يريدون به عدد الحروف التي يقوم بها الوزن متحركاً وساكناً، فيكتبون التنوين نوناً ساكنة، ولا يراعون حذفها في الوقف، ويكتبون الحرف المدغم بحرفين، ويحذفون اللام مما يدغم فيه في الحرف الذي بعده كالرحمن، والذاهب، والضارب، ويعتمدون في الحروف على أجزاء التفعيل". ( )
القسم الثالث:رسم المصحف وهجاؤه:عرَّفه محمد شرشال بقوله:"وهو الذي كتب به زيد بن ثابت حروف القرآن وكلماته في جميع مراحل جمع القرآن التي آخرها كتابته في عهد عثمان رضي الله عنه".( )
ويسمى بالرسم العثماني نسبة إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه لأنه أمرَ بنسخ المصحف به، ويسمى بالرسم المتبع لأنه سنة متبعة في هذه الأمة.
الفرع الثالث: المقصود بعنوان البحث.
ما يتوقع وقوعه مما لا تحمد عقباه إذا استبدل الرسم العثماني بالرسم الإملائي في كتابة المصحف الشريف. والمحاذير المتوقع حدوثها ليست قاصرة على المصحف الشريف وحده، بل تعدت إلى تاريخ هذه الأمة، ولغتها وجهود علمائها وأئمتها، بدأ بالصحابة رضوان الله عليهم، وعلى رأسهم الأئمة الثلاثة: أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم. وإن لهذه المحاذير جناياتٍ عدةً سواء في الجانب الشرعي، أو العلمي، أو التاريخي، أو الاجتماعي.

المبحث الثاني
المحاذير المتعلقة بالمصحف الشريف
إن أعظم محذور متوقع حال استبدال كتابة المصحف الشريف بالرسم الإملائي- الذي هو عرضة للتغيير،والتبديل،والتطوير- ما يتصل اتصالا وثيقا بعز هذه الأمة وشرفها ومكانتها ورفعتها وهو القرآن الكريم.
والمتأمل في نتائج تغيير رسم المصحف وأثره عليه يرى أن هذا الفعل يُلحِقُ القدحَ في المصحف الشريف من جهتين؛ من جهة وثاقة النص القرآني، ومن جهة تاريخ كتابة المصحف الشريف.
المطلب الأول: المحاذير المتعلقة بوثاقة النص القرآني.
لقد تكفل الله تعالى بحفظ كتابه كما قال تعالى ((إِنّا نَحْنُ نَزّلْنَا الذّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحَافِظُونَ)) [الحجر:٩]، وكان من قدر الله تعالى لحفظ كتابه الكريم أن يسر حفظه في الصدور،كما قال تعالى: ((بل هُوَ آيَاتٌ بَيّنَاتٌ فِي صُدُورِ الّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاّ الظّالِمُونَ)) [ العنكبوت: ٤٩ ]، وقال سبحانه (( فَلاَ تَنسَى)) [الأعلى: ٦ ]، وهيأ له من يكتبه ويدونه،كما قال سبحانه: ((وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتّبِعُوهُ وَاتّقُواْ لَعَلّكُمْ تُرْحَمُونَ))[الأنعام: ١٥٥] فقد نقل القرآن الكريم بالسند المتصل بسماع جبريل من ربه عز وجل)، وبسماع النبي صلى الله عليه وسلم من جبريل،ثم سمعه الصحابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحفظوه في الصدور، وحفظوه في السطور حيث كتبوه في العُسُب، والكرانيف، واللخاف، والرقاع وقطع الأديم وعظام الأكتاف، والأضلاع من الشاة والإبل، وكان بذلك القرآن الكريم قد وثق أعظم التوثيق، فنقل عبر هذه القرون بطريقتين علميتين؛ بالمشافهة والرسم، فكل دعوة لترك أحد رسمه فهي دعوة لترك طريقة من طرق توثيق القرآن.
إن القرآن قد وثق بأعظم وأجل وأظهر طرق التوثيق،فقد نقلته الأمة جيلا عن جيل لفظا ورسما، والرسم العثماني من الطرق التي حفظ بها الصحابة رضوان الله عليهم القرآن الكريم، قال ابن حزم:" إن نقل المسلمين لكل ما ذكرنا- لكتابهم ودينهم- ينقسم أقساما ستة؛ أولها: شيء ينقله أهل المشرق والمغرب عن أمثالهم جيلا جيلا لا يختلف فيه مؤمن ولا كافر منصف غير معاند للمشاهد وهو القرآن المكتوب في المصاحف في شرق الأرض وغربها لا يشكون ولا يختلفون في أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب أُوتي به وأخبر أن الله عز وجل أوحى به إليه وأن من اتبعه أخذه عنه كذلك ثم أخذ عن أولئك حتى بلغ إلينا".( )
فمن محاذير كتابة المصحف بالرسم الإملائي إسقاط لطريقة من الطرق التي تواترت في هذه الأمة لحفظ كتاب الله تعالى، وتشكيك في وثاقة النص القرآني،لأن ترك الرسم مدخل لترك القراءات،قال الشيخ إبراهيم بن أحمد التونسي:" وكما لا تجوز مخالفة خط المصاحف في رسم القرآن لا يجوز لأحد أن يطعن في شيء مما رسمه الصحابة؛ لأنه طعن في مجمع عليه؛ ولأن الطعن في الكتابة كالطعن في التلاوة، وقد بلغ التهور ببعض المؤرخين إلى أن قال في مرسوم الصحابة ما لا يليق بعظيم علمهم الراسخ، وشريف مقامهم الباذخ،فأياك أن تغتر به"( ).
المطلب الثاني: المحاذير المتعلقة بتاريخ كتابة المصحف الشريف.
هناك جملةٌ من المحاذير المترتبة عن التخلي عن الرسم العثماني متعلقةٌ بكتابة المصحف الشريف، ومنها:
أولا:الإعراض عن تاريخ كتابة المصحف الشريف.
من أوضح القضايا التاريخية التي نقلت في كتب السنة؛ من الصحاح والسنن والمسانيد والمستدركات والمستخرجات، وكتب المصاحف وغيرها تاريخ كتابة المصحف الشريف، حيث انتقل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، وقد كُتب القرآن كله على هذه الكيفية المخصوصة، ولم يحدث فيها تغيير ولا تبديل. ثم ولي الخلافة بعده أبو بكر الصديق رضي الله عنه فأمر بجمع القرآن وكتابته في مصحف واحد، ثم جاء عثمان رضي الله عنه فأمر بنسخ المصاحف من صحف أبي بكر على هذا الرسم أيضاً ، ووزعها على الأمصار الإسلامية؛ وقوبل عمل الخليفتين بإقرار الصحابة رضوان الله عليهم ، وبقيت المصاحف مكتوبة بهذا الرسم منذ كتابتها الأولى، فكان رسم المصحف سنةٌ متبعة عند السلف، قال الزمخشري:" وخط المصحف سنة لا تغير" ( ) .
فليس من العقل أن نعرض عن هذا الرسم للمصحف الشريف،ونستبدله بما هو حادث متغير؛لأن هذا الفعل من اتخاذ تاريخ كتابة المصحف الشريف ظهريا.
ثانيا:هدم لجهود من أسهم في حفظ القرآن،ولغته لفظا ورسما.
فكتابة المصحف الشريف بغير الرسم العثماني إعانة على هدم جانب عظيم من تاريخ هذه الأمة كتاريخ الصحابة ، وجهودهم، واجتهاداتهم خاصة من جهة اللغة ؛التي تدل على واقع الحضارة العلمية عند العرب،وليس الأمر قاصرا عليهم ؛لأن التاريخ جزء مشترك بين بني البشر في كثير من القضايا.
وهذه الجهود تنوعت بين جهود الأفراد والجماعات ،وجهود الخلافة الراشدة على أعلى مستوى من هرم السلطة الحاكمة وقتها، بل امتدت على مدى حكم الأئمة الثلاثة إلى أن خرج هذا العمل المؤسس لهذه الأمة المسلمة ولغيرها شاهدا على عظم هذا الإنجاز التاريخي العظيم، الذي لم يشهد التاريخي الإنساني مثيلا له.
المبحث الثالث
المحاذير المتعلقة بلغة القرآن.
لقد أنزل الله تعالى القرآن بلسان عربي مبين ،وجعله جامعا لألفاظ العرب، حافظا لها. وقد صارت لغة القرآن الكريم لغة الكُمَّل من البشر، وخص الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالإحاطة بها، وقد كان صلى الله عليه وسلم يأمر كتبة الوحي بكتابتها حفظا للقرآن ولغته، ومما لاشك فيه أن ذهب الرسم العثماني له ما يتبعه من لغة العرب والذي يتمثل في:
المطلب الأول: المحاذير المتعلقة باندثار بعض لغات العرب.
هناك صلة وثيقة بين اللغة والكتابة، إذ لا نكاد نتصور لغة من اللغات دون وجود رسم لها، بل إن بعض اللغات القديمة قد حُفظت بما تبقى من رسمها وكتابتها،كما أن تاريخ البشرية من أعظم ما حُفظ به تلك اللغة التي رُسمت، وكُتبت، ونُقشت على مر الأزمنة والعصور، فكل مساس بالرسم العثماني للمصحف الشريف يعد مساسا ببعض لغات العرب التي لم يعلم حفظها إلا من جهة رسم القرآن الكريم،ومن هذه المحاذير:
أولا: اندثار بعض لغات العرب التي حفظها القرآن .
فكل لغة حفظت برسمها الخاص بها،والمحافظة على ذلك الرسم حفاظ على تلك اللغة، قال أحمد شرشال:" فالمحافظة على الرسم العثماني هي عين المحافظة على اللغة العربية بل فيه زيادة محافظة على بعض اللغات التي لم يحفظها إلا الرسم العثماني ،فوافق خط المصحف لغة العرب وطابق فصاحة القرآن وبلاغته، فكما أنهم كانوا يراعون في الألفاظ الفصيح والأفصح ويكرهون في الخط ما يكرهون في الخط ما يكرهون في اللفظ". ( )
ولم يعلم أن رسما ما حفظ لغات العرب مثل الرسم العثماني،قال السخاوي:"فإن الله تعالى جعل الكتابة من أجل صنائع البشر وأعلاها، ومن أكبر منافع الأمم وأسناها ،فهي حرز لا يضيع ما استودع فيه، وكنز لا يتغير لديه ما توعيه مما تصطفيه، وحافظ لا يخاف عليه النسيان ، وناطق بالصواب من القول إذا حرفه اللسان".( )
ثانيا: ضياع تاريخ العرب العلمي.
إن العلماء في هذه الأزمنة المتأخرة ينقبون عن كل ما يمكن أن يرشدهم ،ويدلهم على تاريخ البشرية؛ فليس من العقل أن نسهم نحن أهل الإسلام في إضاعة تاريخ أمة ولغتها، لأن اللغة حافظة لتاريخ الأمم.
فتاريخ الكتابة عند العرب لا زال بحاجة إلى بحث وتنقيب ،وخير مرشد إليه هو الرسم العثماني، قال الدكتور غانم قدوري:"...لأن جانبا كبيرا من تاريخ الكتابة العربية في تلك الفترة المتقدمة لا يزال غير معروف، ويظل الرسم العثماني بكل ما يقدم من أمثلة وصور لرسم الكلمات خير ممثل لواقع الكتابة العربية في تلك الحقبة، ولا شك في أن أي كشف جديد في مجال النصوص القديمة المكتوبة سيزيد الحقائق الكتابية التي يقدمها الرسم تأكيدا ووضوحا."( )
فالرسم العثماني يمثل جانبا عظيما من التاريخ العلمي للعرب،فضياعه إهدار لثقافة الأمة ووجودها التاريخي،وتجاهل لطريق توثيقها العلمي ووسائل الكتابة عندها.
إن المصحف الشريف يدل دلالة علمية على واقع حضاري لأمة عربية مسلمة، وينم على وعي وتقدم علمي للعرب ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم،فلا يجوز أن نطمس صور ومظاهر ووسائل هذه القفزة النوعية في تاريخ الأمة العربية.
ثالثا:الإعانة على اندراس اللغة العربية.
فلا توجد أمة من الأمم حُفظ خطها وتناقلته الأجيال على مر الأزمنة والعصور مثل العرب؛ لأن الله تعالى حَفظه بحفظ كتابه.واللغة تحفظ بمقدار استعمالها وتوظيفها ،فمن أعظم أسباب حفظ اللغة العربية رسما ونطقا دون غيرها من اللغات القديمة المندثرة كونها استخدمت لتدوين القرآن الكريم في مئات الصفحات؛ بعد أن كانت حبيسة استعمالات محدودة .
فمن خصائص الرسم العثماني" أن فيه دلالة على بعض لغات العرب، وهم يفتخرون بأن القرآن نزل بلغتهم، وكتب -أيضا- على لغتهم، ومن أمثلة ذلك: كتابة هاء التأنيث تاء مفتوحة في بعض المواضع، للإيذان بجواز الوقف عليها بالتاء على لغة "طيئ"، كما في قوله : ((إِنّ رَحْمَةَ اللّهِ قَرِيبٌ مّنَ الْمُحْسِنِينَ)) [الأعراف: ٥٦] وقوله تعالى: (( وَإِن تَعُدّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا))[ إبراهيم: ٣٤] كتبت في سورة إبراهيم بالتاء، وفي سورة النحل بالهاء، للدلالة على بعض لغات العرب.
ومن أمثلة ما جاء محققا لبعض لغات العرب:حذف ياء المضارعة من غير جازم على لغة هذيل، كما في قوله تعالى: (( يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلّمُ نَفْسٌ إِلاّ بِإِذْنِهِ)) [هود: ١٠٥] فقد حذفت الياء من { ﯕ }، وليس قبلها جازم"،( ) فكل فصل للرسم القرآني عن القرآن الكريم يعد إسهاما في اندراس اللغة العربية؛ لأنه فتح لباب كتابة القرآن بلغات أخرى .
المطلب الثاني: محاذير تتصل بمخالفة هدي الصحابة.
لما كان الصحابة أعلم الأمة بكتاب الله تعالى وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وأشدها فهما وأحسنها إدراكا، وأعلاها قدرا حظيت أقوالهم وأعمالهم بعناية خاصة، وكان لها شرف التقدم على غيرها فهم أهل اللغة المتقنون لها سليقة لا تعلما، فطرة لا تصنعا، طبعا لا كسبا، وكان لمشاهدتهم التنزيل وحسن فهمهم وسلامة قصدهم أعظم الأثر على أعمالهم" وهم فوقنا في كل علم واجتهاد وورع وعقل وأمر استدرك به علم واستنبط به، وآراؤهم لنا أحمد وأولى من رأينا عند أنفسنا".( )
ومن أجل ما صانه وحفظه الصحابة وبذلوا أعمارهم وأموالهم وجهودهم لأجله كتابة القرآن الكريم وجمعه في مصحف واحد، والإعراض عن صنيعهم وهديهم في رسم المصحف الشريف فيه جملة من المحاذير ومنها:
أولا:مخالفة إجماعهم واتفاقهم.
إن ترك الرسم العثماني يعد تركا لعمل أمة الصحابة كلها؛لأنه جهد حكامها وعلمائها وفقهائها، بل فيهم من وردت فيه نصوص تأمر باتباعه والاقتداء به، وقد استقر كلام الأئمة والعلماء أن فعلهم هذا – رسم المصحف- قد وقع عليه الإجماع، ومخالفته مخالفة لإجماعهم واتفاقهم ،وقال الزرقاني:"وممن حكى إجماع الأمة على ما كتب عثمان صاحب المقنع إذ يروي بإسناده إلى مصعب بن سعد قال: أدركت الناس حين شقق عثمان رضي الله عنه المصاحف فأعجبهم ذلك ولم يعبه أحد،وكذلك يروي شارح العقيلة عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن عثمان أرسل إلى كل جند من أجناد المسلمين مصحفا وأمرهم أن يحرقوا كل مصحف يخالف الذي أرسل إليهم.ولم يعرف أن أحدا خالف في رسم هذه المصاحف العثمانية".( )
وقال اللبيب:"فما فعله صحابي واحد فلنا الأخذ به والاقتداء بفعله والاتباع لأمره، فكيف وقد اجتمع على كتاب المصاحف حين كتبوه نحو اثني عشر ألفا من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين؟"( )
وقال القاضي عياض:" وقد أجمع المسلمون أن القرآن المتلو في جميع أقطار الأرض، المكتوب في المصحف بأيدي المسلمين مما جمعه الدفتان من أول ((الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ))[ الفاتحة: ٢] إلى آخر (( قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ النّاسِ)) [الناس: ١] أنه كلام الله ووحيه المنزل على نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- وأن جميع ما فيه حق، وأن من نقص حرفا قاصدا لذلك، أو بدله بحرف آخر مكانه، أو زاد حرفا مما لم يشتمل عليه المصحف الذي وقع عليه الإجماع، وأجمع على أنه ليس من القرآن عامدا لكل هذا أنه كافر "،( ) وقال ابن العربي:" فإن خطَّ المصحفِ أصل ثَبت بإجماع الصَّحابة".( )
وقال الإمام أبو عمرو الداني بعد نقله لكلام الإمام في حرمة كتابته بغير الرسم العثماني:"لا مخالف لمالك من علماء هذه الأمة".( )
ولذلك جعل الأئمة موافقة الرسم العثماني ولو احتمالاً شرطًا لقبول القراءة، قال الإمام مكي ابن أبي طالب عند حديثه عن أركان القراءة المقبولة:" قسم يقرأ به اليوم، وذلك ما اجتمعت فيه ثلاث خلال وهي: أن ينقل عن الثقات إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ويكون وجهه في العربية التي نزل بها القرآن شائعا، ويكون موافقا لخط المصحف ".( )
ثانيا: تناسي جهود الصحابة رضوان الله عليهم في حفظ القرآن الكريم.
كان للنبي صلى الله عليه وسلم في المدينة كُتَّاب يدعوهم لكتابة الوحي، وقد كتبوا القرآن كله بهذا الرسم، الذي أقرهم عليه رسوله صلى الله عليه وسلم، وإن كان القرآن الكريم غير مجموع في مصحف واحد، ومما يدل على حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على كتابة الوحي اتخاذه كُتَّابا للوحي من أخصهم زيدٌ بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه الذي أخبر عن وسائل كتابة الوحي في تلك الحقبة الزمنية، ففي الحديث الذي ذكره البخاري في جمع أبي بكر الصديق قوله:" فتتبعت القرآن أجمعه من العسب والرقاع واللخاف".( )
ففيه أعظم دلالة على أن الصحابة نقلوا القرآن منطوقا ومكتوبا، وهذا المكتوب كان في عهد النبوة ولم يتخلف حرف من كتاب الله تعالى لم يكتبه الصحابة. فكان الأصل أن تحفظ جهودهم وتصان، ويعتنى بها؛ لأنهم أعلم بشرع الله، وأعرف بعظيم قدر كتاب الله تعالى.
ثالثا:مخالفة مرسوم خطهم الذي اتفقوا عليه بإقرار الرسول صلى الله عليه وسلم.
فقد كان الصحابة يكتبون القرآن بطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أخرج البخاري عن البراء بن عازب رضي الله عنه أنه قال: « لما نزلت ((لاّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ))[النساء: ٩٥] ،دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم زيداً فكتبها، فجاء ابن أم مكتوم،فشكا ضَرَارتَهُ فأنزل الله ((غَيْرُ أُوْلِي الضّرَرِ )) وفي رواية أخرى عن البراء قال:"لما نزلت (( لاّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ )) [النساء: ٩٥ ]قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ادعوا فلاناً، فجاءه ومعه الدواة واللوح أو الكتف، فقال: اكتب: (( لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ )) [النساء: ٩٥] وخَلْفَ النبي صلى الله عليه وسلم ابنُ أم مكتوم، فقال: يا رسول الله أنا ضرير، فنزلت مكانها (( لاّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ)) [ النساء: ٩٥] ».( )
وثبت أن زيد بن ثابت قال: "كنت جار رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان إذا نزل الوحي أرسل إليَّ فكتبت الوحي".( ).
وأخرج البخاري وغيره أن أبا بكر قال لزيد بن ثابت رضي الله عنهما: "كنتَ تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم."،( ) فهذه الأحاديث تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان له كُتَّاب يكتبون الوحي ويدعوهم لكتابته فور نزوله.
مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كتب القرآن كله على هذه الكيفية المخصوصة ثم كتب المصحف كما هو معروف في تاريخ كتابته،وأقر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عمل أبي بكر وعثمان في المصاحف، ولم ينكر أحد منهم عليهما شيئاً بل ظفر كل منهما بإقرار جميع الصحابة لعملهما واستمرت المصاحف مكتوبة بهذا الرسم في عهد بقية الصحابة، ولم يثبت أن أحداً من هؤلاء جميعاً حدثته نفسه بتغيير هجاء المصاحف ورسمها الذي كتبت عليه أولا.
فالعدول عن رسمهم للمصحف مخالفة لرسم أقره رسول الله صلى الله عليه وسلم،واتفق عليه الصحابة رضوان الله عليهم،حتى صار كما قال الزمخشري:" وخط المصحف سنة لا تغير".( )
رابعا: ترك اتباع الصحابة رضي الله عنهم ، والاستدراك عليهم .
اتفقت كلمة الأئمة والعلماء على أن الخير في اتباع الصحابة ، وعدم الاستدراك عليهم في هذا الأمر الجليل؛ لذا كانوا يرون كتابة القرآن بغير مرسوم خطهم أمرا مَنهيا عنه، وفاعلهُ تارك لسبيل الصحابة وهديهم،كما روى الإمام السخاوي أن مالك بن أنس إمام دار الهجرة سئل: أرأيت من استكتب مصحفاً أيكتب على ما أحدثه الناس من الهجاء اليوم؟ فقال مالك: لا أرى ذلك ولكن يكتب على الكتبة الأولى".( )
وقال الإمام النيسابوري:"وقال جماعة من الأئمة إن الواجب على القراء والعلماء وأهل الكتابة أن يتبعوا هذا الرسم في خط المصحف، فإنه رسم زيد بن ثابت ,وكان أمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وكاتب وحيه".( )
وقال الإمام البيهقي:"من كتب مصحفاً ينبغي أن يحافظ على الهجاء الذي كتبوا به تلك المصاحف، ولا يخالفهم فيه، ولا يغير مما كتبوه شيئاً، فإنهم كانوا أكثر علما، وأصدق قلباً ولسانا، وأعظم أمانة منا، فلا ينبغي أن نظن بأنفسنا استدراكا عليهم".( )
المبحث الرابع
المحاذير المتعلقة بطريقة تلقين القرآن
ميز العلماء بين مجالس تلقين القرآن ومجالس تلقين العلم،فجعلوا لكل مجلس خصائص وميزات يختص بها، وقد نقل العلماء بعض هذه الطرق واجتهدوا في بعضها الآخر بحسب طبيعة الزمان والمكان والحفظة .
غير أن هناك قدرا يشترك فيه كل من يلقن القرآن الكريم تلقينا صحيحا لا تشوبه شائبة تقدح فيما يحفظه الحفظة ،فكانوا يجمعون بين حفظه في الصدور وحفظه مرسوما في السطور، حتى يرسخ في العقول والقلوب، وكانت الكتاتيب بين الأمرين. وكل دعوة إلى تغيير مرسوم خط المصحف تلحق بطريقة تلقين القرآن محاذير كبيرة ،ومنها:
المطلب الأول : المحاذير المتعلقة بحفظه وتحفيظه.
للقرآن عرف خاص به في حفظه وتحفيظه، وهذا من نزوله على النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان يسمعه الصحابة رضوان الله عليهم ويأمر بعضهم بكتابته، فحفظوه في الصدور والسطور،فصار لا يتصور عند من ورث هذه الطريقة في حفظ القرآن أن يحفظ الناس لفظه دون رسمه،لاعتقادهم بتلازم الأمْرَين ،ولما في ترك مرسوم الخط من تأثير نذكر منها:
أولا:عدم ضبط الحفظ ضبطا جيدا .
فأكمل الضبط أن يحفظ القرآن الكريم لفظا ورسما،لذا كان أهل المغرب أحفظ له من أهل المشرق؛لأن كتاتيبهم كانت تجمع في تدريسها بين اللفظ والرسم كما قال ابن خلدون:" فأمّا أهل المغرب فمذهبهم في الولدان الاقتصار على تعليم القرآن فقط، وأخذهم أثناء المدارسة بالرّسم ومسائله...وهذا مذهب أهل الأمصار بالمغرب ومن تبعهم من قرى البربر، أمم المغرب في ولدانهم إلى أن يجاوزوا حدّ البلوغ إلى الشّبيبة. وكذا في الكبير إذا رجّع مدارسة القرآن بعد طائفة من عمره. فهم لذلك أقوم على رسم القرآن وحفظه من سواهم". ( )
فالحفظ بالطريقتين أرسخ للقرآن في الصدور من طريقة واحدة، وبقاؤهما منوط ببقاء الرسم العثماني للمصاحف، وعدم تغيره.
ثانيا: زوال حقيقة وصف الحافظ.
فالحافظ للقرآن الكريم هو من جمع بين الأمرين؛حفظ اللفظ وحفظ الرسم في عرف أكثر بلاد الإسلام،حتى أن أهل المغرب قديما لا يشهدون لأحد بالحفظ إلا إذا جمع بينهما،قال أحمد شرشال:" ولعل ذلك نابع من اعتقادهم – أهل المغرب- أن الحفظ لن يتم ولا يسمى الحافظ حافظا حتى يتقن حفظ القرآن مع حفظ رسمه وضبطه ،فعندهم أن المكتوب والمحفوظ شيء واحد ،ولا يمكن الفصل بينهما ،ولا يخطر ببال غير ذلك ، فهذا معتقدهم ولا يجاز الطالب إلا بعد حفظ القرآن عرضا وسماعا مع رسمه وضبطه بالنقط والشكل".( )
ولا يزال هذا الأمر سنة متبعة في المدارس القرآنية العريقة في الجزائر؛ في الشرق والغرب والشمال والجنوب بخاصة.

المطلب الثاني:المحاذير المتعلقة بمنهج الأئمة القراء في تلقينهم للقرآن والقراءات.
أولا: التقليل من شرط موافقة الرسم لصحة القراءة.
ومن المحاذير في هذا الباب أن ترك الرسم العثماني خروجٌ عن هدي الأئمة والقراء في تلقي وتلقين القرآن الكريم ؛إذ جعلوا موافقة القراءة لهجاء الكلمات في المصاحف مقياسا لقبولها وصحة روايتها ونقلها، بل قالوا إن موافقة خط المصحف – ليست موافقة مطلقة - في القراءة أحد أركان القراءة الصحيحة ،قال أبوعبيدة:"وإنما نرى القراء عرضوا على أهل المعرفة بها، ثم تمسكوا بما علموا منها مخافة أن يرفعوا عما بين اللوحين بزيادة أو نقصان، وبهذا تركوا سائر القراءات التي تخالف الكتاب، ولم يلتفتوا إلى مذاهب العربية فيها إذا خالف ذلك خط المصحف، وإن كانت العربية فيه أظهر بيانا، ورأوا تتبع حروف المصاحف وحفظها عندهم كالسنن القائمة التي لا يجوز لأحد أن يتعداها"( ).
وقال ابن الجزري:" كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالا وصح سندها فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها ولا يحل إنكارها"( ).
ثانيا:الخروج عن هدي الأئمة القراء.
قال الدكتور غانم قدوري:"وقد ظهر في كل مصر من الأمصار إمام روى ما ورد في مصحف بلده، إذ أن أئمة القراءة كانوا يروون كيفية رسم الكلمات، إلى جانب روايتهم للقراءة"،( ) وقال الزركشي:"وقد اتفقت في خط المصحف أشياء خارجة عن القياسات التي يبنى عليها علم الخط والهجاء ثم ما عاد ذلك بنكير ولا نقصان لاستقامة اللفظ وبقاء الحفظ وكان اتباع خط المصحف سنة لا تخالف".( )
وقال الشيخ شرشال:" فقد ظهر في كل مصر من الأمصار إمام روى ما في مصحف بلده، وكان يومها لا يفصل بين رواية القراءة ورواية الرسم، فقد روى أئمة القراءات وصف هجاء الكلمات إلى جانب روايتهم للقراءات، لشدة الصلة الوثيقة بين الرسم والقراءة،وكما كانت المدينة النبوية دارا للسنة ،كانت قبل ذلك ومعه دارا للقرآن؛قراءاته ورسمه".( )

المبحث الخامس:
المحاذير المتعلقة بفهم القرآن وتدبره .
إن تدبرَ القرآن الكريم سبيلٌ من سُبل أهل الإيمان, وخصلة من خصال أهل العلم؛ تزداد به معارفهم, وتتفتق مداركهم فيقفون على عجائب فنونه التي توطن أقدامهم رسوخا في علومه المختلفة، فهم القرآن الكريم يتوقف- بعد توفيق الله تعالى-على قريحة صافية وذهن نير, وتعمق في أسرار البيان العربي، وفقه للسنة المطهرة،واطلاع واسع لفهوم علماء القرون الثلاثة المفضلة, ومعرفةٌ لسنن الآفاق والأنفس، وعرفة لوجوه القراءات القرآنية التي تستمد بعضها من الرسم العثماني الذي حفظت به ،ومن المعلوم أن جهل المفسر للقراءات التي لها أثر في المعنى جهل لبعض الدلالات القرآنية التي تضيء الطريق للمفسر وتفتح له أبوابا من الهدايات القرآنية، وهذا الباب من مفاتيحه الرسمُ العثماني الذي يتضمن هذه الإشاراتِ والقراءاتِ المتعددةَ للنص القرآني. فيلزم من تغييره بالرسم الإملائي ذهاب ما يحمله في طياته من وجوه قرآنية ، ولغوية وغيرها، وفي مقابل ذلك وجود جملة من المحاذير المتعلقة بالقراءات، أو بفهم القرآن الكريم وتدبره،ومنها:
المطلب الأول: المحاذير المتعلقة بالقراءات.
أولا: ذهاب بعض القراءات والأوجه الصحيحة الثابتة.
فهناك وجوه للقراءات حفظت رسما واستدل الأئمة القراء عليها بوجودها في المصاحف المكتوبة،فلو غير الرسم لضاعت هذه تبعا له ،كما قال أحمد شرشال:" ولو أهملنا هذا الرسم الذي اتفق عليه الصحابة لضاع ، وبضياعه يضيع كثير من هذه اللغات والقراءات والأوجه التي لا يمكن الاستدلال عليها إلا بالمصاحف التي هي أوثق وأصدق الحديث، فهجاء المصاحف له تعلق كبير بالقراءات وأصواتها وأدائها ، ولذلك لم تخل كتب القراءات من عقد باب في بيان مرسوم المصاحف".( )
فكتابة المصحف بغير الرسم المتبع ترك لبعض القراءات الصحيحة الثابتة ،التي ينبغي العمل بها، كما قال أبوبكر بن العربي" القراءتان كالآيتين فيجب أن يعمل بهما ". ( )

ثانيا:إزالة القراءتين المحتملتين في الرسم.
فصورة الرسم العثماني حافظة للقراءات القرآنية المحتملة في الكلمة الواحدة ؛لأنهم كتبوا المصحف عن قصد وعلم ، فما أثبت كان مرادا وما حذف كان مرادا ،قال ابن تيمية :"من أسباب تركهم المصاحف أول ما كتبت غير مشكولة ولا منقوطة؛ لتكون صورة الرسم محتملة للأمرين كالتاء والياء والفتح والضم ،وهم يضبطون باللفظ كلا الأمرين ،ويكون دلالة الخط الواحد على كلا اللفظين المنقولين المسموعين المتلوين شبيها بدلالة اللفظ الواحد على كلا المعنيين المنقولين المعقولين المفهومين".( )
كما أن الأمر في فعلهم مرده إلى الاتباع لا إلى الرأي والاجتهاد ، كما قال ابن تيمية:"وسبب تنوع القراءات فيما احتمله خط المصحف هو تجويز الشارع وتسويغه ذلك لهم؛ إذ مرجع ذلك إلى السنة والاتباع لا إلى الرأي والابتداع".( )
ثالثا: تغيير النص القرآني.
فإذا غير الرسم العثماني وحل محله الرسم الإملائي؛فمما لاشك فيه أن النص القرآني يلحقه تغير يتمثل في: تغيير بنية الكلمة،أوتغيير الوقف، أوإسقاط قراءة منزلة،كما قال أحمد شرشال:"ومن المعلوم لدى علماء القراءات: أن أي تغيير في رسم بعض الكلمات القرآنية غالبا ما يؤدي إلى تغيير في النص القرآني: إما تغيير في بنية الكلمة يترتب عليها تحريفا، أو تغيير في الوقف عليها،أو ربما أدى في بعض الأحيان إلى إسقاط قراءة منزلة.
إن كتابة (مالك يوم الدين) بألف بعد الميم: يسقط القراءة بالحذف ،وهي متواترة، كما أنه لو كتبت (امرأت)و(رحمت)و(نعمت) وغيرها في مواضعها بالهاء المفتوحة، لتغير الوقف عليها ".( )

رابعا: زوال بعض وجوه التعليل لاختلاف القراء .
فهناك صلة وثيقة بين الرسم العثماني والقراءات؛لأن الرسم وسيلة لحفظ القراءات الثابتة المنقولة،فالوجوه المختلفة لم يكن لها إلا سبب واحد وهو التلقي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومما لاشك فيه أن ترك هذا الرسم والتخلي عنه،أو بالأحرى كتابة المصحف بغير الرسم العثماني ترك وإضاعة لكثير من القراءات القرآنية، التي خُلِّدت وجوهها بهذا الرسم،قال أبو العباس المهدوي:"كانت الحاجة إليه – الرسم- كالحاجة إلى سائر علوم القرآن ، بل أهم ووجوب تعليمه أشمل وأعم إذ لا يصح معرفة بعض ما اختلف القراء فيه دون معرفته".( )

المطلب الثاني: المحاذير المتعلقة بالتفسير .
لقد أثرت القراءات القرآنية في علم التفسير، وكانت رافدا من روافده، وبحرا من بحوره الذي يستقي منه المفسرون مادتهم التفسيرية، نحوية كانت أو فقهية أو عقدية. وبقدر معرفة المفسر للقراءات يكون تميزه ورسوخه في علم التفسير، قال ابن تيمية: «والعارف في القراءات الحافظ لها له مزية على من لم يعرف ذلك،ولا يعرف إلاّ قراءة واحدة»( )،وإن المفسرين تعاملوا مع هذه القراءات وكأنها آيات مستقلة ,قال ابن تيمية:" فهذه القراءات التي يتغاير فيها المعنى كلها حق، وكل قراءة منها مع القراءة الأخرى بمنزلة الآية مع الآية يجب الإيمان بها كلها واتباع ما تضمنته من المعنى علما وعملا".( )
وهناك كثير من القراءات حفظت بمرسوم خط الصحابة رضوان الله عليهم، فكل تصرف يُذهب صورةَ هذا الرسم ينجم عنه ذهاب بعض الوجوه المحتملة في الرسم العثماني،وهذا يتبعه ترك بعض المعاني والدلالات القرآنية التي تعين المفسر على تجلية القرآن وبيانه،قال ابن الجزري:" وكل ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك وجَب قبوله، ولم يسع أحد من الأمة ردّه، ولزم الإيمان به وأنه كله منزل من عند الله، إذ كل قراءة منها مع الأخرى بمنزلة الآية مع الآية يجب الإيمان بها كلها واتباع ما تضمنته من المعنى علمًا وعملا، لا يجوز ترك موجب أحدهما لأجل الأخرى ظنا أن ذلك تعارض".( )
قال محمد الطاهر بن عاشور:" ثم إنّ القراءات العشر الصحيحة المتواترة، قد تتفاوت بما يشتمل عليه بعضها من خصوصيات البلاغة أو الفصاحة أو كثرة المعاني أو الشهرة ".( )
ومن ذلك ألفاظ فيها أوجه قراءات متعددة،وهي الألفاظ التى تكتب بكيفية تحتمل أن تقرأ على الأوجه الواردة فيها، وهو المعمول به في معظم هذه الألفاظ، ومنها: لفظة"قل"( ) التي رسمت في المصاحف رسما احتمل قراءتين؛ الأولى حملت على الأمر "قل" والثانية حملت على الخبر "قال"، قال الطبري:" (( قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ )) [الأنبياء: ٤] اختلفت القراء في قراءة قوله ((قُل ربي )) فقرأ ذلك عامة قراء أهل المدينة والبصرة وبعض الكوفيين ((قُل ربي)) على وجه الأمر، وقرأه بعض قراء مكة وعامة قراء الكوفة ((قُل ربي)) على وجه الخبر.وكأن الذين قرءوه على وجه الأمر أرادوا من تأويله: قل يا محمد للقائلين (( أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ))[ الأنبياء: ٣ ] ربي يعلم قول كل قائل في السماء والأرض، لا يخفى عليه منه شيء وهو السميع لذلك كله، ولما يقولون من الكذب، العليم بصدقي، وحقيقة ما أدعوكم إليه، وباطل ما تقولون وغير ذلك من الأشياء كلها. وكأن الذين قرءوا ذلك قال على وجه الخبر أرادوا، قال محمد: ربي يعلم القول خبرا من الله عن جواب نبيه إياهم.
والقول في ذلك إِنهما قراءتان مشهورتان في قراءة الأمصار، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القراء، وجاءت بهما مصاحف المسلمين مُتفقتي المعنى، وذلك أن الله إذا أمر محمدا بقيل ذلك قاله، وإذا قاله فعن أمر الله قاله، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب في قراءته".( )
فما اختلف رسمه في الكلمات القرآنية له ما يتبعه من جهة الاختلاف في دلالة النص القرآني فتركه يعد تركا لقراءة لها مزيد فائدة في معنى النص القرآني،وهناك نوع آخر اختلف رسمه ، ولكن لا أثر له من جهة تنوع أو اختلاف التفسير فهذا غير مقصود هنا.

خـاتمــة
وأقف في ختام هذا البحث على ما خلصت إليه من نتائج وفوائد, والتي من أهمها:
- أن الصحابة كانوا من أحرص الناس على نقل القرآن الكريم إلى الأمة بأعلى درجات الإتقان والضبط.
- أن رسم المصحف العثماني منقول إلينا خلفا عن سلف،كما كتبه الصحابة رضوان الله عليهم دون زيادة أو نقصان، غير الشكل والنقط.
- إن كتابة المصحف الشريف بالرسم الإملائي تترتب عليه محاذير عظيمة تتصل :بتاريخ كتابة المصحف الشريف، وبوثاقة النص القرآني،وبالقراءات،وبالتفسير، وبذهاب بعض لغات العرب، وبمخالفة هدي الصحابة، وبحفظه وتحفيظه،وبمنهج الأئمة القراء في تلقينهم للقرآن والقراءات.
- والذي يظهر لي أن رسم المصحف الشريف الذي بين أيدينا اليوم إما أنه توقيفي فلا تجوز مخالفته، وإما أن يكون اصطلاحا اصطلحه الصحابة، وعليه فلا تجوز مخالفته لما يترتب عن تركه من محاذير سبق بيانها وتفصيلها ولو بإيجاز.

الهوامش:

مدير المنتدى
Admin

عدد المساهمات : 166
تاريخ التسجيل : 18/02/2012
الموقع : rihabalkalimah.cultureforum.net

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ichkalat.forumalgerie.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى