مجلة إشكالات في اللغة والأدب
مرحبا بزوار المنتدى وقراء مجلة [ إشكالات ].. نرجو منكم الانضمام إلى أعضائه والتواصل مع أسرة المجلة.

جمالية التشكيل الفني في الشعر الشعبي الجزائري

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

جمالية التشكيل الفني في الشعر الشعبي الجزائري

مُساهمة  مدير المنتدى في الجمعة يناير 29, 2016 1:53 pm

جمالية التشكيل الفني في الشعر الشعبي الجزائري

أ. مساعدية نسيبة
جامعة عباس لغرور – خنشلة / الجزائر


[يملك الأدب الشعبي الجزائري قدرا وافرا من التنوع والثراء،وهو ما يعد جزءا من التراث الإنساني وذاكرته على الأرض،و يضم هذا الأدب ملامح الثقافة المادية والروحية، المتناقلة مشافهة أو كتابة عبر الأجيال،فكل شكل من أشكال هذا الأدب يعد مجالا خصبا للدراسة والبحث من: مثل، حكاية، نادرة، لغز وشعر ...الخ على السواء.
ويعتبر الشعر الشعبي أحد فنونه الزاخر بمضامين متعددة وطاقات شعورية متفاوتة، يعكس من خلاله الشاعر آمال وآلام مجتمعه، يبلور رؤيته وتصوراتهم حول موقف أو قضية ما، أو ما يعتصر قلبه من مشاعر،ليتلقف أفراد مجتمعه أشعاره فتتخذ مكانا لها في قلوبهم وعقولهم، فما خلود قصائد لشعراء مغمورين أو حتى تحت الثرى إلا دليل على تحدي تلك الأشعار لعتمة النسيان وتعاقب الأزمان.]
الملخص بالفرنسية :
La littérature populaire algérienne est d’une diversité et richesse fabuleuse; elle constitue une partie importante du patrimoine humain et son histoire car il incarne la culture matérielle et spirituelle transmise oralement ou par écrit à travers les générations. Toutes ces formes de ce genre littéraire est un champ fertile pour l'étude et la recherche tel que le récit, la devinette, l’anecdote, la poésie et la biographie....etc.
La poésie populaire est l'un des arts de la littérature riches en contenu divers et en charge émotionnelle dont le poète reflète les espoirs et les tragédies de sa communauté ou de son âme … Il décrit sa réflexion ou leur vision sur une telle question pour que la société reçoive ses poèmes et réserve une place dans leurs cœurs et esprits. La persistance des poèmes composés par des moins connus ou même défunts n’est qu’une preuve irréfutable de leur éternité.




تمهيد:
يستعين الشاعر الشعبي بتقانات عدة لتشكيل قصيدته ويقوم بوصفها لتتوافق مع خوالجه الشعورية، دون إسراف أو مبالغة حتى تتحقق الغاية الجمالية والتواصلية، والقصيدة الشعبية تولد من أديم اللهجة العامية ولكنها تختلف عن لغة التخاطب اليومي فالشاعر يبث فيها روحا جديدة ويستخدم آليات تسانده في تشكيل عواطفه وأفكاره وتصوراته في شكل قصيدة شعبية، وكلما نوع من وسائطه التعبيرية وأثار رغبة في المزيد من قبل القارئ أو المستمع كان أبلغ وألطف .
- فما هي أهم التقانات التي تشكل القصيدة الشعبية وكيف يكون حضورها ؟
- متى يحقق بها الشاعر الفرادة؟

1/ إجادة التصوير :
تحتفي الدراسات الفنية بالبحث عن الصورة الشعرية والكشف عن عناصرها وتجلياتها في الخطاب الأدبي، خاصة الشعري " فالصورة هي البؤرة الفنية الأساس التي تنطلق منها خيوط التشكيل الشعري"1، لذا حظيت بتوصيفات عدة منها «رسم قوامه الكلمات المشحونة بالإحساس والعاطفة» 2 أو هي « أخطر أدوات الشاعر بلا منازع»3.
وهذه الصورة تحيا من رحم الشاعر الذي يستعين بروافد عدة لتغذيتها من الخيال، الطبيعة، التراث.... الخ، وهي أيضا من أهم الوسائل أو التقانات التي يستخدمها الشاعر ويتفنن في تشكيلها حتى تسكن عقل وفؤاد المتلقي فلا تفارقه أبدا، ولذا كان لزاما على الشاعر الشعبي أن يعي الصورة ويدرك أهميتها ويتسابق الشعراء فيما بينهم على إجادة التصوير ليتم بذلك أفضل التبليغ، وهذا نبينه في بعض المواقع الشعرية كالآتي: يقول الشاعر سالم الشبوكي4:
نا والجْمَلْ كَامِــــــــــــــلْ الْقَدْ سَافِرْنَا فــــــــــــي الليل مَاطِرْ
نَلْحِظْ لبْرْقْ نَسْمِعْ اِرْعَدْ اتْزَعْزِعْ الْقَلْبْ والخْوْاطِرْ
لا طريق الا نْشُــــــوْفْ سَدْ لا حَيْ لا ثــــــــــــــــــــــــم خَاطِرْ
خَمِمْتْ "نا"خاَيِفْ انْصِدْ تَضْحِكْ عــــــــلي لِقْنَاطِرْ
المقطوعة السالفة تصوير لمشهد الرحلة وهو أمر متبع في القصيدة الجاهلية، يصفون حلهم وترحالهم فيشارك القارئ الشاعر موقف العزم على الترحال، ويعي أسبابه ثم ينتقل معه من مكان إلى آخر، وكل موضع هو فيه يمعن التأمل والتدقيق في جزئياته لتكتمل الصورة عند الشاعر والمتلقي وهذه الحركة – الرحلة-» مشتقة من حياة الجاهلين التي لم تكن تعرف الثبات والاستقرار، فهم دائما راحلون وراء الغيث ومساقط الكلأ»5، والجَمل هنا هو رفيق دربه ومؤنس وحشته، نلحظ ذلك في أداة الربط "الواو" في البيت الأول :
نا( و) الجمل كامل القد
وفي استعمال ضمير الجمع المتكلم : 'نحن' مثاله :
سفر(نا) في ليل ماطر
أي أن الالتحام كان عاطفيا قوي الأثر عند الشاعر، ما جعلنا " القراء" نحس بتلك المشاركة الحسية بينهما وفي كل مكان ومهما تغيرت الأحوال، ومن مظاهر الرحلة أن الطريق كانت صعبة المسلك لهطول الأمطار بكثرة وهدير صوت الرعد وذلك البرق الكاسر لعتمته الليل، فكلما أضاء بصحبة الرعد خلخل وجدان الشاعر وجعل القلب يرتعش اضطرابا من الخوف وصاحب المقطوعة استأنف الوصف رغم ما به من رهبة فالطريق وعرة ويصعب معها الوصول إلى المطلوب خاصة مع سوء الأحوال الجوية، التي جعلت المسلك خاويا من أي بشر عدا الشاعر فتصاعد الخوف بداخله وتسلق إحساس الوحشة ذلك التصاعد لكنه تمالك نفسه وآثر مواصلة المسير وهذا في قوله :
خَمِمْتْ "نا"خايف انْصُدْ تَضْحِكْ عْلِيَ لِقْنَاطِرْ
بعدها يقوم برسم صورة حية لرفيق سفر- الجمل- وهذا أمر أيضا كثر تناوله في الشعر العربي الفصيح خاصة الجاهلي، يقول سالم الشبوكي:
جَمْلِي فَهيْم زَامْ 6 واصْمَد 7 يَعْرِفْ طْرُقْ الِمْخَاطِرْ
خُطْوَاتْ رِجْلِيْهَ تِمْتَدْ اعْرُوقَاتْ هَابْطَةْ اتْشَاطِرْ
لا اغْلَطْ لَاحَسْ باسْرَدْ8 امْثِيْلُوْ هِنْدَاسْ تْشَاطِرْ
يقول في آخر المقطوعة :
اِلْحَقْ نجَعْهْا راح وابعْدَ اوْجِدْنَاهْ في سوُحْ مَاطِرْ
اخْذَا بكْرتوا بْرَكْ واسَنِدْ ونَا مْعَ الرِيْمْ فَاطِرْ9
بمعنى أن الشاعر بعد هذه الرحلة الشاقة الطويلة استقر به المقام بجانب مالكةَ قلبه، فيطيب اللقاء ويحلو الحديث بعد كل ما واجهه مع رفيقه الجمل وكأنها أقصوصة تحكي سفر رجل وجمله بحثا عن موطن المحبوبة وما لقياه في سفرهما.
هذه الأقصوصة وصلتنا وكأننا نتابع شريط تلفزي متوسلة الخيال، كونه من أهم عناصر الإبداع الشعري« فالخيال هو الذي يخترق عتمة الأشياء أو غلظتها وضرورتها وجمودها على ماهيته ثابتة لبذروها، ويعتجنها ويلوكها ليصوغ منها شيئا جديدا تحقق به أهداف الإنسان ومطالبه، فهو إذن مهاد الإبداع، بل إن الخيال أيضا بمثابة استحضار للغياب أي جعل الغائب حاضرا، وهو منتج اللغة وكل أدوات الاتصال الإنساني »10.
ولأهمية عنصر الخيال كثرت الدراسات المنظرة والمطبقة الباحثة عنه على اعتباره محور العملية الإبداعية الشعرية، والشاعر الشعبي مثل نظيره الفصيح رصد بعدسته مواطن الجمال وتفنن في نقلها للمتلقي مثال ذلك مقطوعة الشاعر الشعبي الشيخ عبد القادر الخالدي يقول واصفا وقع الحب في صدره :
كُنْتْ في خَطْرَةْ وِيْنْ رْمَاتْنِـــــــــــــيْ القُدْرَة وكل خَطْرَةْ يَرْمِيْنِيْ خَــــــــــــــــاطْرِيْ لِلْأَقْدَارْ
جَايْ سَاِرْي مَالِيْ في الامْحــــــــَانْ خِبْرَةْ غِيْرْ لِقْصِيْرَةْ جَابِتْ لِيْ الِبْلاَءْ والْاَضْرَارْ
شِفْتْ عَذْراَء مِلْكِتْ عَقْلِيْ بْفَرْدْ نَظْرَةْ هَيِجْتْ لِيْ الْاَمْحَانْ السِكْــــــرَة والأفْكَارْ
حَيْرِتْنِيْ حَيْرَةْ ومْشىَ الصْــــــــــــــوَابْ مَرَةْ صَاْبِنْي مِنْ الْحُرَةْ مَازَادْنِــــــــــــــــــــيْ الَاكْدَارْ
مَالْقَلْبِيْ جَبْرَةْ ولاَ وْجِــــــــــــــــــــــــدْتْ صَبْرَا زَادْنِيْ حُبْ ذَا الْمِسْعُـــــــــــــــــــوْرَةْ تِزْيَارْ11
ثَارْ جُرْحْ الُعِشْرَةْ بَعْدْ إنْ حْسِبْتِهْ بْرُىَ جُاءْ الْحُبْ بْغِدْرَةْ كِــــــــــيْ قَبَاضْ الَأعْمَارْ
إلى أن يقول :
شَاطْرَةْ تَقْرِفْ تَقْرَا سَالْكَـــــــــــــةْ الْهَدْرَةْ حَافْظَةْ السُوْرَةْ والسُنَهْ وحِرْمِةْ الْجَارْ
زِيْنَةْ الصُوْرَةْ تِضْوِيْ كِهْـــــــــــلَالْ عَشْرَةْ لاَيْقَةْ بِالشُهْرَةْ ومْعَرْجْنـــــــــــــــــَةْ الَأثْمَارْ
مْلِيْحَةْ الطَلْعَةْ والْبَشْــــــــــرَةْ ظَبْيْ اْلَقفْرَةْ بَاهْيَةْ كَالنُوَارَةْ فــــــــــــــــي رْبِيْعْ الَأْنْوَارْ
صَابْغَةْ السَالِفْ والظِفْرَةْ صَافْيِةْ الْغُرَةْ خَدْهَا حْلَاوَةْ والْخْــــــــــــشِمْ كِالْمِنْقَارْ
مِنْ جْوَاهِرْ حُرَةْ نَبْـــــــــــــــعْ الزْلاَلْ نَشْرَةْ والشْفَايِفْ لِجْمُــــــــوْرَةْ زَايْدِيْنْ تِعْكَارْ
جَاتْ لِلْعرِسْ تِتْـــــــــرَىْ وتِنْنَوِرْ كِالْمْنَارَةْ زَاهْيَةْ تِطْرَا بِيْــــــــــــنْ الَأْرْيَامْ تِخْتَارْ 12
الملاحظ في هذه الأبيات أن امرأة واحدة فقط استطاعت قلب كيان الشاعر، فاستشرى حبها في جسده كالماء داخل الينابع والجداول ولقوة تدفقه لم يستطع إيقافه، بل أرخى له نفسه واستسلم يتذوق حلاوة العشق وهذه المرأة ألبساها من الصفات ما يجعل السامع متلهفا للقياها ويسعد بمحياها، واستعان في ذلك من الموجودات ؛أشياء طبيعية، لكن أمعن التدقيق فيها حتى يحسن الوصف، كالريم، شاطرة، تضوي، هلال عشرة، معرجنة الاثمار، ظبي، المنقار، المنارة ...
2/ التكرار: ملمح هام في الشعر الشعبي يكون بعدة أشكال كاللفظي والمعنوي والشكلي وغيره من الأنواع، هذا ما نلحظه في هذه الأبيات يقول شاعر مجهول :
ساعات نبدا زاهــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي وساعات في هــــــــــــــــــــــــــــــمومي لاَهِيْ
و ساعات عند من الصواب الْبَاهِيْ وساعات عندي هبـــــــــــــال لا يتِعْدَى
و ساعات نرقد عَالِفْرَاشْ البــــــــــــاهي وساعات من لكْداد نِبْنِيْ سِــــــــــــــــــدَةْ
و ساعات نــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــايا الْمِيْلْ وساعات نَعْدِلْ في الحْمُوْلْ اْلَمَايْلَةْ
و ساعات نْحَوِسْ في ظــــلام الليل وساعات نُغْدِيْ فـــــي النْهَارْ واْلقَايْلَةْ
فالشاعر عمد إلى توظيف كثير من التشبيهات التي تعبر عن صور ومراحل حياتية مختلفة، لأنا الشاعر وتنطبق حتى على ذات المتلقي؛ إذ هو مرة سعيد بحاله مستأنس بما لديه واللحظة التي هو فيها، ولكن" دوام الحال من المحال " يتغير الصفاء إلى كدر يعكر سيرورة أيامه، ساعات في همومي لاَهِيْ لا نوم ولا هناء مادام التفكير في خلاص الحال يؤرقه ثم ينقلب إلى حالة أخرى : ساعات عندي من الصواب الباهي، الكل يبحث عن هذه الصورة حكمة العقل وحسن التصرف في أمورنا الحياتية خاصها وعامها ويتجسد بأفعال موازية لأقوال، ولفظة الباهي اقترنت بالصواب فلم يقل : ساعات عندي من الصواب ، أي أن الباهي أصبحت أيقونة دلالية.
ومن التقانات التي استخدمها الشاعر نلفي تكرار كلمة" ساعات " التي أدت دورا إيقاعيا ودلاليا ينسجم مع حالة التذمر التي يحيياها الشاعر من تقلب صروف الدهر وتأثيرها عليه، كما ترصد " ساعات" تباين الحالة الشعورية للشاعر ورسم صورة لوضعه مثلا:
ساعات نرقد عَالِفْرَاشْ الْبَاهِيْ وساعات من لِكْدَادْ نِبْنِيْ سِدَهْ
فهو مرة يعيش حياة رغد ورخاء وفي بحبوحة من أمره وهذا واضح من قوله: نرقد عالفراش الباهي، وهي دلالة على يسر معيشته وتنعمه بما لديه من خيرات، وفي المقابل يتبدل الوضع فيكون من لكداد نبني سدة سبحان مغير الأحوال فدوام الحال من المحال، الشاعر أصبح وضعه صعبا يتخذ أبسط الأشياء وأرخصها ثمنا وأصعبها جهدا للحصول على مأوى ينام فيه، بين الحالة الأولى والثانية بون كبير ينتقل إلى صورة أخرى:
وساعات نَايَا الْمِيْلْ وساعات نعدل في الْحْمُوْلْ الْمَايْلَةْ
هذه الصورة عكست تسلل نوازع نفسية تسيطر على حالة الشاعر فتجعل خطاه غير مستقرة على أرضية صحيحة، فتكون أقواله وأفعاله متذبذبة التوجه وبالتالي خائبة المسعى، وعبر عن ذلك بقوله ساعات نايا الْمِيْلْ فالميل هنا مدلول لدال واضح، وأحيانا يكون مبينا لهدفه الواضح من طريقه، فيكون واعيا بما يفعل ويقول، وتكون له الأولوية في إصلاح الأمور وتصحيح مسارها، (نعدل في لحمول المايلة) .
وأخيرا يختم لوحته بمشهد رصد به كل خوالجه فالشاعر بحق أحسن الرسم باستخدام ألفاظ موحية بمرارة التجربة، فكان المشهد حاضرا أمامنا نتخيل من خلاله شخصا له بصيرة نافذة ساعدته على تلمس أي ضوء خافت يقطع جسد ظلام الليل الدامس فاستطاع بذلك التجول والاستمتاع بسيره، واللفظة الدالة على ذلك نحوس وكانت أقرب إلى تجسيد أمر معنوي من أي لفظة أخرى:
ساعات نْحَوِسْ في ظلام الليل ساعات نمشي في ظلام الليل
نْحَوِسْ مواتية للحالة الشعورية للشاعر، إلا أنه في السطر الشعري الآخر يأخذنا إلى مرسى مخالف؛ إنه ميناء الحزن والكآبة والهم غرقت في أمواجه المتلاطمة سفينته ونتلمس هذا من قوله :
ساعات نغدي في النهار والقايلة
وهنا يتبادر السؤال كيف يمكن لشخص أن يضيع مبتغاه أو طريقه؟ رغم سطوع الشمس لوضوحها في كبد السماء كيف؟ خاصة وأن النور دائما يدل على الوضوح والنجاح لكن في هذه الحالة أصبح دون نفع بالنسبة لذلك الهائم على وجهه نظرا لثقل الهم وكبر الحزن المغشي على بصره فضاع 'نغدي'، فهذه التكرارات أصبحت « عناصر دلالية ذات رصيد نفسي هائل لدى القارئ»13، ومن أنماط التكرار أيضا التكرار الحرفي فيمهد من خلالها الشاعر إلى إعادة حرف معين حسب الدلالة التي يضيفها وكذا النغمة الموسيقية، وفي الأبيات السابقة كان للحرف الواو نصيب الأسد (تسع مرات) الذي يهدف إلى ربط الأفكار وتسلسلها كي لا يحس القارئ بالتنافر، خاصة وأن الشاعر في معرض الحديث عن صورتين مختلفتين تطبع حياة الإنسان، فالواو أصبح من عناصر الاتساق والانسجام في نفس هذا الشاعر والترجمة الآتية توضح تلك الحالتين المتصارعتين داخل المرء والتي تنقلنا من أسوء إلى أحسن وأحيانا من أحسن إلى أسوء ساعات وساعات مثلا :
ساعات نبدا زاهي +
وساعات في همومي لاهي -

ساعات نايا الميل +
وساعات نعدل فيي لحمول المايلة -
وبذلك تتغير الحالة الشعورية تبعا للظروف كما يقال في المثل الشعبي "مرة حلو ومرة مر حتى يتعدى العمر "
ساعات نحمل مرة معنى الإيجاب وأحيانا معنى السلب
ساعات = +
ساعات = -
والجدول الآتي يوضح نمط التكرارات المعتمدة في أبيات الشاعر :

التكرارات نوعها عدد المرات وظيفتها
ساعات كلمات 10 دلالية / صوتية
عندي كلمات 2 دلالية / صوتية
باه كلمات 2 دلالية / صوتية
و حرف 9 دلالية / صوتية
في حرف 4 دلالية / صوتية
وكل هاته التكرارات عملت على رفد الدلالة وتقويتها .
3/ تخير الألفاظ :
يعتمد الشاعر الشعبي في نظم القصيدة الشعبية على اختيار ألفاظ موحية جزلة الدلالة قوية التأثير، وكذا التنويع في الحقول الدلالية وتوسيع مداركه بمختلف المعارف ليكون له بذلك معجم شعري غني، فعملية اختيار الألفاظ تشي القصيدة بالحركية والديمومة الإيحائية فلا تنقطع أواصرها مع المتلقي، فينظر إلى المعجم « على أنه قائمة من الكلمات المنعزلة التي تتردد بنسب مختلفة أثناء نص معين، وكلما ترددت بعض الكلمات بنفسها أو بمرادفاتها، أو بتركيب يؤدي معناها كونت حقلا أو حقولا دلالية»14 .
يقول الشيخ بن لحرش :
افْطِيْن اتْكَـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاكَا من الِهْبَال من ارْجَحـــــــــــــــــــــــْ مِيْزَانه يرى أهْوَال جِمْله
والعقل في باَلِيْ ميزان كل حَـــــــــــــــــــــــــالْ كنَزْ عَطِيْـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه الله سبحانه المولى
والعقل من درَكْهِ سلــــــــــــــــــطان بالمجَال ومن زعَمْ يتــــــــــــــــــــــــــــــــكسر ماتَنْفْعَه الحِيْلة
ومن احمْق في الدنيا مسكـــــين ماينْاَل ومن سَعِفْهَا حــــــــــــــــــــــــــــــــامق رَوِح لا امْوَالِيْ
نبهك بن لحرش لاأنِهْ صْــــــــــدِيْقْ مَعْلُوْمْ واَجْبَه في حقِهْ هــــــــــــــــــــــــــــــــــذي بلا اجمْيِلْ
ذي احْوَالْ الدنيا من دهر فات سْمُوْمْ ما يْدُوْمْ إلا الله الــــــــــــــــــــــــــــــــــــــواحد الْجَلِيْلْ
أش جاب النَاِقْي لِــــــــــــــلِيْ عْصَى القَيُوْم أش جاب العاقل فــــــــــــــــــــــــــي الميز للْهْبِيل
واش جاب الفَارِحْ لــــــــــــــلي كان مَهْمُوْمْ أش جاب الشمس الضَاوِيْ لْدِمْسْ الِلْيلْ
أش جاب الطَايِقْ لــــــــــــلي يكُوْن مَعْدُوْمْ لاه حَالْ النِمْلَةْ فـــــي الجِهْدْ كي الفِيْلْ 15
تتردد في القصيدة الآتية عدة حقول دلالية :
حقل الجماد الإنسان الدين الط الطبيعة
م ميزان
كنز فطين
العقل
سلطان
أحامق
مسكين
حامق
صديق
فارح
هموم
طايق
معدوم
هبال الله
سبحانه
المولى
الدنيا
الشافي
عصى الشمس
الليل
ا النملة
ا الفيل

المستشف من القصيدة أن الشاعر قام بتخير ألفاظه بشكل يناسب المقام ألا وهو النصح والإرشاد لبني البشر فأعطى مارآه ضرورة ملحة للأخذ بالعبرة والانتباه فيسلم ويثمر مسعاه والشاعر يعتبر ما قام به من نصح وإرشاد نابع من قلب طيب نبيل يريد الخير للجميع ؛ نَبْهِكْ بِنْ لَحْرِشْ لِاَنِهْ صْدِيْقْ مَعْلُوْمْ
واجْبَهْ فِيْ حَقِهْ هَذِيْ بْلاَ جْمِيْلْ
و كذا لما بدأ نظمه بقوله :
آفْطِيْنْ اتْكَاكَا بَرْكْ مِنْ الِهْبَالْ
فالرسالة موجهة للمتلقي يريد الشاعر إصلاح حاله وهي محمله بكثير من التوجيهات والتصويبات السلوكية، لتغدو « الرسالة هنا لا صرف لها إلا إقامة علاقة اتصال، أو تثبتها أو تقطعها، لا نتكلم هنا لنقول رسالة، بل لنأنس إلى ما حولنا ويأنس به، وهنا لا نبحث عن حقيقة، هنا نتأنس العالم »16، إضافة إلى أن الشاعر الشعبي يخرج قصيدته من أديم ألفاظ شديدة الالتصاق بالفرد فتكون قريبة منه وإليه، ولكنها مختلفة عن لغة الخطاب اليومي في طريقة تشكيل المبدع الشعبي، لها فتحقق بذلك عدة وظائف في وقت واحد « ومن الشعراء من تكون ألفاظه وعباراته حادة المذاق – لو جاز التعبير – يبقى أثرها طويلا على النفس بسبب الشحنة الشعرية، أو الشعورية القوية التي غذاها بها الشاعر من ناحيته، بسبب امتيازها الحاد عن ألفاظ الشعراء الآخرين وعباراتهم من ناحية ثانية »17.
ما يعني أن لكل شاعر معجم خاص به ويتفرد به عن غيره من الشعراء، وكلما كان مميزا بممكنات تعبيرية وعاطفية حقق القراءة « فهو قد يستعمل كل قيل اللغة من البساطة الكاملة إلى البلاغة المعقدة فيذكي حرارته آنا من خلال الإيجاز، وآنا من خلال الإطناب، وطورا عن طريق حذف التفصيلات وطورا عن طريق التكرار»18، والجدير بالذكر أن استخدام الشاعر لألفاظ بسيطة لا يعني بالضرورة أن النص سيطبع بالسطحية والتفاهة، «فليست الألفاظ في بساطتها أو جلالها هي المحك ولكن ألفاظه أو العاطفة التي يتبعها الشاعر عليها هي التي تحدد قيمتها »19.
نستدل على هذا في مرثية حيزية لابن قيطون :
طَلقت ممْشُوطْ طَاحْ بِرْواَيحِ كي فَـــــاحْ
حاجب فوق الْلمَاحْ نُوْنِيْنْ بــــــــــــــــــــــــــرْيَاَ
عينيك فرْدْ رْصَـــــاصْ حْزِين في قِرْطَاسْ
سوُرِيْ قْيَـــــــــــــــــــــــــــــاسْ في يْدِيْنْ الحَـــرْبِيَا
خَدِكْ ورْدْ الـــــــــصْبَاحْ وقْرُنْفِلْ وِضَــــــــــــاحْ
الدم عليه ســــــــــــــــــــاَحْ مثل الضُــــــــــــــــــــــوَايَا
والفُمْ مثـــــــــــل العَاجْ والمْضْحِـــــكْ لْعَاجْ
ريِقْكِ شي الْنَـــــــــــعاجْ عْسَلْ الشْهَايَا 20
وكأن الشاعر أمام حديقة نظرة غناء تهب من يقف عندها حسا جماليا يخوله لقول الشعر ويقطف من تلك الحديقة أجمل الأزهار وأبهى الألوان فيزين بها الموضوع الشعري – حيزية – فكانت حيزية بن قيطون آية من آيات خلق الله بحسب تمثلاثها في القصيدة وكل هذا بألفاظ بسيطة تتكئ على طاقات تعبيرية جمة خاصة وأن « هناك بنية نفسية وسياقا عاما وراء أي خطاب لغوي»21 مثل :ممشوط طاح، فرد رصاص، نونين بريا، قرنفل وضاح ....
4/ شعرية السرد :
المعروف أن الشعر شعر والنثر نثر لكن هذا لا يمنع من وجود تقاطعات بينهما تتشكل في نص ما، والمشهد الشعري يهتم بكثير من التكثيف في الصياغة التعبيرية، وكأن المشهد لا تتم له الفاعلية إلا من خلال الكثافة والابتعاد عن التثبيت، لأن من خواص المشهد أن يستنجد بالإطار الذي يضمن التنظيم لعناصر المشهدين 22، إضافة إلى هذا فأداة التعبير في الشعر الشعبي هي اللهجة العامية التي «تنطوي بطبيعتها على شفافية وفعالية وحرفه وحيوية، ولكنها صادقة وجميلة إلا إذا كانت متصلة بمنشئها محتفظة برفاهيتها وقدرتها على التعبير في مستوى بلاغي رفيع، وهي رغم عدم تمسكها بالقواعد النحوية التي لا تخلو من أوجه البلاغة» 23، ويقيم له التناسق المطلوب في فن التأليف الموسيقي والرسم، بيد أن المشهد الشعري قد ينساق هو الآخر وراء ما يشبه الاسترسال الذي يعرفه النثر 24، ومن الأشعار الشعبية التي استخدم فيها أصحابها تقنية السرد الشعري الشاعر علي عناد 25 يقول :
باسم الله بْدِيْتْ باسْمِكْ يا جَبَارْ ونحْكِي في حكايتي ورواح تشُــــوفْ
نقولكم عن حالتي ومابِيَا صَــــــــارْ ثابِتْ هذا القول ما هُوْشِيْ مَحْذُوْفْ
هنا يهيء علي عناد المتلقي لاستقبال حكايته شعرا وأن يستشعر ما فيها خاصة وأنها حقيقة وهذا في قوله :
ثابت هذا القول ماهوشي محذوف
نستتبع الآن الحكاية :
يُوْمْ جمعة في السوق طاح بِيَ سمسار وياخِيْ الحَاجة الكاتبة تهدف هْدُوْفْ
أيام اِلْذَهْبِتْ شِيِرْتِيْ وشْرِيْتْ حـــــــــــــــــمْار قلت اِرَيِحْ خَاطْرِيْ اِنْجِيبْ المصروف
نُضْتْ عْقَابْ الليل من قبل الافْجَــــــــــارْ ليلة في ديجَمْبِرْ والريــــــــــــــــــــــــــح ازُوْفْ
درِتْ عليه حْلاَسْتَه قُدَامْ الـــــــــــــــــــــــــــــــــدَارْ طَاحْ على ركَبِيْهْ متْكَسِـــــــــــــــــــــلْ مَرْفُوفْ
اعْمِشْ من عينيه ومْهَمِــــــــــــــــــــــــــــــدْ لَشْفَارْ اثْرَنِيْتَهْ في الليل ما انَجِــــــــــمْش اشُوفْ
وعنده صنعة خَايْبَة يلقـــــــــــــــــــــــــــط شْخَارْ عَضَاضْ وزَعْبَاطْ مــــــــــن بكريْ مَعْرُوْف
لحد الآن هو يصف الحمار والصدفة التي جعلته يشتريه، عسى أن يكون له وسيلة للراحة، ولكن يبدو أن الأمور ستنحو منحى آخر نتعرف عليه مع ما بقي من القصة يقول:
من نَسْلْ اُمَالِيْه خــــــــــــــــــــــــــــــداع وغدار واَكِلْ ثلث معيز وجدية وخـــــــــــــــــــــــــروف
زعبط عني ابزْوُزْ اسْتِرْ يــــــــــــــــــــــا سَتَارْ جِتْ اَوْطَى من سُرْتِيْ وين هُوَا الْجُوْفْ
ونا ضُوْلِيْ الجيران اِدُونـــــــي لِسْبِيْطَارْ وثَارٍت أم العايلة عَمْلِـــــــــــــــــــــــتْ مَعْرُوْف
اوْقَضْتْ مع لثنَاشْ نحمد في القهار ورحت بِسْخَانْتِيْ وِجْــــهِيْ مغْرُوْف 26
عرضنا ما كان من الحمار الآن سنواصل مع ما سيكون مع صاحبه :
وعندي مطرق زين مْرَشِمْ بالِمْسمَارْ فيه انْبَردْ خاطري انخليــــــه طْرُوف
سَامِيْتَهْ ومَدْيْتْلَهْ بيدي لِيْسَــــــــــــــــــــــــــارْ قاطع منه اليَاسْ ماعَنْدِيْشْ الرُوْفْ
طاح على ركبيه جاه الَمــــــــطْرِقْ حَارْ من اللُوْرَهْ تْوَلِهْتْلَهْ حالِهْ مَكْشُوْفْ
ناظم ها للابْيَاتْ واحد من الشُعَارْ اسمي عين ولامْ باين زوز حــروف
السُكْنَهْ الحَمَادِيْنْ ثمانية رقم الدار المَقْرِنْ الدَاْيَره الولاية ســـــــــــــــــــــوف
باسم الله بديت باسمـــــــــــك يا جبار ونحكي في حكايتي ورواح تشوف 27
هذه الأبيات تدور حول ثلاث شخصيات: الشاعر والسمسار والحمار
الشاعر / الحمار شخصيات رئيسة.
السمسار / الجيران – الزوجة شخصيات ثانوية
و يمكن حصر البرامج السردية الثلاثة فيما يأتي :
1/ الشاعر اشترى الحمار من السمسار.
2/ الشاعر يعود بالحمار للدار ويلقى معه الصعاب ( الدُمَارْ )
3/ الشاعر ينهى عذابه مع الحمار .
فنستنتج ذ∩م /ذ Uم / ذ∩م
أما النموذج العاملي:

المرسل المرسل إليه
الشاعر الموضوع المتلقي
الراحة

المساعد المعارض
الجيران + الزوجة الحمار + السمسار
البنية العميقة :
ونستشفها عن طريق تفتيت الوحدة المعنوية الأساسية في المقطوعة الشعرية: الحصول على المال:
أ/ الحركة / الجمود
ب/ الخداع / استسلام
ج/ الخسارة / الفائدة
وكل صنف من هذه الأصناف يحوي على أصناف دلالية دنيا تولد مع بعضها البعض وحدات دلالية ثانوية
صور التعارض الدلالي /السمات المميزة لـ : ف 1و ف2
ف 1 الشاعر / ف 2 الحمار
ف1 ف1 ف2 ف2
انساا انسان
عاقل عاقل
دآ آمر
ر راكب
مستفيد حيوا حيوان
غريز غريزي
مأمو مأمور
مركو مركوب
خا خاسر

رسم المعنى عبر المربع السيميائي:
ربح خسارة
خداع غفلة

لاخسارة لا ربح


وهذا مثال آخر لتوضيح كيفية اشتغال السرد في الشعر، نظم الشاعر الساسي حمادي قصيدة يقول فيها :
ياالِليْ جَايْ جْدِيْدِ لِدِنْيَا تْعَالَى نَحْكِيْ لِيْكْ وأصْغضانِيْ نْوَصِيْكْ
رُدْ بَالِكْ مِنْ بْنِيِةْ حَوْى رَاهَا خْطَرْ عْلِيْكْ
رُدْ بَالِكْ مِنْ بْنِيِةْ حَوْى رَاهَا كِيْ الْلَفْعَةْ تِتْلَوَىْ28
الشاعر هنا أخذ دور السارد الناصح للفرد والمجتمع بطرحه للموضوع وتحديد علاقاته التي نجدها متفاوتة تبعا «لآليات نمو النص وتناسله المحكومة بسيرورة الجذب والإبعاد والاشتباه والاختلاف»29، ويمكن أن نرصد ملابسات هذه العلاقة من خلال تشكيلها لثنائية الحياة والموت المتحكمة في النسق الدلالي ككل، بالإضافة إلى هذا يظهر قطب ثاني يمثل المرأة بكل ما تحمله من علاقات وقيم مقابلة للقطب الأول، وبالتحام القطبين وارتباطهما الجدلي تتكون البنية الدلالية «حول عنصري الثنائية الضدية: التشابه/ التضاد، اللذين يرتبطان بين عناصر النسق المكونة للدلالة الكلية »30 .
ونلفي هذا في تنبيه الرجل من المرأة على أساس أنها خطر حسب تصور الشاعر، ومرة يأمر بالسعي الحثيث للفوز بالمرأة الصالحة وترك النموذج السيئ، وللتأكيد أكثر نقرأ حركة الأسطر الشعرية دلاليا في القصيدة :


يمتد الشطر الأول من اليمين إلى نصف الصفحة ثم بياض ليبدأ الشطر الثاني منتهيا إلى آخر الصفحة فيصبح لدينا :
الشطر الأول جهة يمين الصفحة
الشطر الثاني جهة يسار الصفحة
اليمين الرجل وحياته مع المرأة ( هناء / شقاء )
اليسار المرأة ( صالحة / سيئة)
ومثال ذلك :
رد بالك من هَـــــــــــــاُ لوْلِيَهْ راها كي اللْفَــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــعَةْ الِمْلِوَيةْ
جَرِبْ جِيْبْ مْعَـــــاهَا مْرَيَةْ ثَمَةْ تْبَيِنْ لِيْـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــكْ
تبْدَا تَنْهِبْ فِيْـــــــــــــــــــــــــــــــكْ في دَارِكْ مَا تْخَلِيْ حَيَةْ لَابُدَ تْعَرِيْكْ
رُدْ بَالِكْ مِنْ هَالْمَخْلُوْقَةْ فِيْسَعْ تِتْغَشِشْ مَخْنُــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوْقَةْ
تَبْدَا تِتْلاَجَى مَسْحـــــــــُوْقَةْ تْبَرْبِشْ آش تَعْطِيْـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــكْ
رُدْ بَالِكْ مِـــــــــــــــــنْ النْسَاء هَاذِيْ وصِيْةْ فِيْ الْـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــخَفَاءْ
رَاهُمْ سْبَايِــــــــــــــــــــبْ لْلْبلاَء الله لاَ اِوَرِيْـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــكْ 31
ومن خلال ما سبق من علاقات دلالية بين الذات والموضوع، نستعين لبيان ذلك بمخطط التحليل العاملي لغريماس باعتباره « ثوابت موجودة في كل نص شعبيا كان أم عالميا، شعرا غنائيا كان أم نصا فلسفيا» 32:

المرسل المرسل إليه
الشاعر الموضوع المتلقي ( الرجل )
الحياة الزوجية

المساعد المعارض
الصبر، حسن الاختيار، القناعة المرأة الثرثارة، المتكبرة، العجولة
فهذا المخطط يجسد مبدأ القوة والضعف من خلال تلك العوامل باعتبارها أطرافا فاعلة متحاورة، ورسالة الشاعر تهدف إلى تغلب العقل على الجري وراء المظاهر الخادعة الزائلة، نفهم من هذا أن استخدام هذه التقنية في الشعر الشعبي تعمل على تجسيد التيمات، وتفعيل حركة المشهد الشعري، وتحكيم أواصر البناء الدرامي مع عنصري الصورة والموضوع .
5/التناص :
شكل هذا المصطلح محورا هاما في الدراسات النقدية المعاصرة، لما له من دور في إبراز النصوص المستدعاة في النص حيز التطبيق بوعي من المبدع أو دون وعي منه، ومها بلغت درجة الإبداع لا يمكن أن لا نلفي حضورا أو تداخل عمل الأديب مع أعمال أخرى سابقة له أو متزامنة معه، وعمل السبق والريادة كان من نصيب الناقدة جوليا كرسيتفا J.Kristeva في إطلاق تسمية التناص، وكان ذلك بمتابعتها لأبحاث الروسي ميخائيل باختين M.Bakhtine حول الحوارية في مجموعة مقالات لها ما بين عامي 1966/1967 ونشرتها في مجلتي critiqueو tel quel، ليشرع بعد ذلك في الاهتمام به أكثر فأكثر من قبل باحثين على رأسهم : رولان بارت، تودورف ميشال، ريفايتر، جيرار جينات .
تقول كريستيفا « يميل المدلول الشعري إلى مدلولات خطابية مغايرة، شكل يمكن معه قراءة خطابات عديدة داخل القول الشعري، هكذا يتم خلق فضاء نصي متعدد حول المدلول الشعري الملموس، هذا الفضاء النصي نسميه فضاء متداخلا نصيا» 33، وقد جعلته- التناص – ضرورة لتحديد النص الأدبي وحددته انطلاقا من أربع سمات هي:« الإنتاجية، الاختراق اللغوي، التداخل النصي، الموضوع المتحرك»34، أما جيرار جينات ميز بين خمسة أنماط من المتعاليات النصية هي: التناص Intertesctualit، والمحيط النصي Paratesctualite، والتعالق النصي Hypertesctualité ، ومعمارية النص Architesyualite ، والميتانص Metatesctualité35
ما وجب ذكره هنا أن جل الباحثين يعدون التناص حضور نصوص غائبة في النص الحاضر، وما يهم الناقد أو القارئ هو فهم كيفية اشتغال تلك النصوص في النص المطبق عليه وبيان آلية ذلك، وهذا يتطلب معرفة واسعة من المتلقي للأعمال الأدبية حتى يتمكن من رصد التناص، وإلا لن يستطيع ذلك والشعر الشعبي حافل بهذا المظهر ومن أمثلة القول ابن قيطون :
عينك فَرْدْ رْصَـــــــــــــــــــــاصْ حَرْبِيْ فِيْ قِرْطَاسْ
سُوْرِيْ قْيَــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاسْ فِيْ يْدِيْنْ الْحَرْبِيَةْ 36
يتناص مع قول امرئ القيس :
ومَاذَرَفَتْ عَيْنَاكِ إلا لِتْقْدَحِيْ بِسَهْمَيْكِ في أَعْشَارِ قَلْبِ مَقْتَلِ 37
يقول الشاعر الشعبي الساسي حمادي : 38
لَيَامْ مَرَةْ تْرُوْحْ مَرَةْ تْوَالِيْ
مِحْتَارْ حَايِرْ بَالِيْ
كُلْ شَيْ بِيْدِيْنْ الِكْرِيْمْ الْعَالِيْ
وتْعَاوْنُوْ بِالصَبْرْ لِلَهْ انْصَلِيْ
كُلْ شَيْ يِبْدِهْ دَارْلَهْ مْكَاتِيْبْ
و لِفْلاَكْ مَرَةْ تْجِيْكْ مَرَةْ تْخَلِيْ
خَاطِيْكْ لا عَنْدِكْشْ فِيْهَا نْصِيْبْ
هُوَ رْحِيْمْ قَادِرْ اِجُوْدْ عْلِيْنَا
وأَفْلَاكْ رَبِيْ النَصِرْ يِسْعِدْ حَاِلْي
حيث نجد هذه المعاني في عدة آيات قرآنية، منها قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾ 39، وقوله أيضا ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾.40، أيضا ﴿ الله لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوى العزيز﴾41، ثم يقوم بتفنيد ادعاءات الإنسان القانط والجاحد لنعمة ربه عندما يقول :
سَاعَاتْ بَابْ الْخِيْرْ اِرَضِيْنَا حَشَاهْ كَانْ الله مَدَهْ شْحِيْحْ 42
وهذا ما نجده له معنى في قوله : ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم ...﴾43.
ويقول أيضا الساسي :
يا نَفْسْ تُوْبِيْ مِنْ الْمَعَاصِيْ ذِلِيْ اِلْخَالْقِكْ في أَحْسِنْ تَرْكِيْبْ44
نلمحه في قول العزيز الحكيم : ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾45.
هو الِلي خِلْقَنْاَ قَادِرْ اِكْفِيْنَا اتْوَكِلْ عْلِيْهْ وشِدْ فِيْهْ صْحِيْحْ 46
يتوافق هذا القول مع التنزيل الحكيم: ﴿ وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا ﴾47.
يقول الشاعر الحاج محمد سفيان :
سُبْحَانْ خَالِقْ الْكُوْنْ اِلْحَاصِيْ عْدَدْاَها رَبِ الْجَلِيْلْ شَأْنَهْ عْظِيْمْ اكْبَاهْ
حَرْفِيْنْ رَادْهُمْ كَافْ أَوْ نُوْنْ اقْبَـــــــــــالْهَا أَوْ هُمَا أسْبَابْ كُوْنِهْ كِمَا تْرَاهْ 48
يتشارك هذا المعنى "التدبير في ملكوت الله" في قول العلي القدير﴿ لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا ﴾49، وفي البيت الثاني أيضا تناص مع القرآن الكريم في قوله:﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾50 ولشاعر قصائد كثيرة غنية بالتناص اقتطعت منها بعض الأبيات:
فَعَالْ كُلْ قَدْرةَ قَادِرْ لِحْـــــــــــــــــــــــــــوَالْهَا خْبِيْرْ حالْ أَمْــــــــرَهْ لا مَاِيْخفَاهْ
دَحَا الأَرْضْ رْحَا لِجْبَــــــــــــــــــالْ أَوْتَادْهَا وابْحُوْرْ فَايْضَةْ مِنْ كُثْرِةْ لِمْيَاهْ
الِكْوَاكِبْ الْنُجْومْ الشَمْسْ أَوْ مَدَارْهَا واِبْلَا رْكَايِزْ مَرْفُــــــــــــــــوْعْ اسْمَاه51
نلفى أن كل شطر من هذه الأبيات يتناص مع آية أو أكثر من القرآن الكريم ليتضح منها مدى تشبع الشاعر بتعاليم الدين وكذا نهله من منهله العزيز بمعنى له ثقافة دينية واضحة كل الوضوح، البيت الأول يتناص مع قول الحق﴿ فَعَّالٌ لمَا يُريدُ﴾52 وأيضا ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء﴾53 البيت الثاني: يقول تعالى﴿ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ 54 البيت الثالث يقول تعالى ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾55.


خاتمة:
بعد استجلاء بعض فنيات الشعر الشعبي الجزائري المتنوعة لتباين الشعراء الشعبين واختلاف مناخاتهم البيئية والثقافية والسياسية و..و..غيرها من المرجعيات المساهمة في تشكيل عالمهم الشعري إلا أن هناك سمات تجمع فيما بينهم من أهمها :
- عشق الكلمة ما يمنح القصائد تأثيرات مختلفة
- المشاركة العاطفية بين الشاعر ومجتمعه
- التنويع في الصور الشعرية
- لتمسك بالتقاليد الفنية القديمة مع مجاراة الساحة الأدبية الحديثة
- لاهتمام بالمتلقي
- تنويع مضامين القصيدة الشعبية
هذه جملة من جماليات القصيدة الشعبية المتشعبة والمتنوعة تبعا لمعطيات يتم استقصائها من النص نفسه.

هوامش:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- محمد صابر عبيد، السيرة الذاتية – قراءة في التجربة الشعرية شعراء الحداثة العربية – دراسة نقدية إصدارات دائرة الثقافة والإعلام 1999، الشارقة، ص 44 .
2-سيدي لويس، الصورة الشعرية،تر أحمد نصيف الجنابي وآخرون، دار الرشد للنشر والتوزيع،1982، بغداد، ص32.
3 - علي عباس علوان، تطور الشعر العربي الحديث في العراق،اتجاهات الرؤيا وجمالات التسيج، منشورات وزارة الإعلام،1975،بغداد،ص41.
4 - سالم الشبوكي، المواهب الفطرية للأشعار الشعبية، 1988،الجزائر، ص 25.
5- شوقي ضيف، تاريخ الأدب العربي، العصر الجاهلي، دار المعارف، مصر، ط 31، ص 223.
6 - زام: صوت البقرة وهذا يدل على انه أشار على صاحبه بصحة القول .
7 - اصمد: تحمل الصحاب .
8 -السْرَدْ: البلل الناتج عن المطر.
9 – سالم الشبوكي، المصدر السابق، ص 26.
10- صلاح قنصوة، انطولوجيا الإبداع الفني، فصول م10،ع3 و4، الهئية المصرية للكتاب، يناير، 2002 ، القاهرة،، القاهرة، ص43.
11- الشيخ عبد القادر الخالدي، ديوان،جمع محمد الحبيب حشلاف، تح محمد بن عمرو الزهوني، المؤسسة الوطنية للنشر والإشهار، 2003،الجزائر، ص 107.
12 - المصدر نفسه، ص 108.
13- زياد الزعبي، تبسيط الخطاب الشعري "دراسة في بنية اللغة الشعرية ومصادرها عند حيدر محمود"، مجلة أبحاث اليرموك، مجلد 14،ع 2، 1996،الأردن، ص 17.
14-محمد مفتاح، تحليل الخطاب الشعري (استراتيجية التناص) المركز الثقافي العربي، ط 3، 1992، بيروت، ص 58.
15 - محمد سفيان، ديوان السلون مع قراءة أولية في الأبعاد والصورة، قراءة إبراهيم شعيب، خزانة التراث الشعبي، 2004، الجزائر، ص 48،49.
16 - أدونيس، كلام البدايات، دار الآداب، 1989، بيروت، ص 114.
17 - أحمد بسام ساعي، حركة الشعر العربي الحديث من خلال أعلامه في سوريا، دار المأمون للتراث،1978،سوريا، ص222.
18- إليزابيث دور، الشعر كيف نفهمه ونتذوقه، تر: محمد إبراهيم الشوش، منشورات مكتبة ضمنية، بيروت، ص 87.
19- المرجع نفسه، ص 89.
20 –قصيدة حيزية www.4algeria.com
21- محمد مفتاح، تحليل الخطاب الشعري "استراتيجية التناص "،ص70.
22 - حبيب مونسي،شعرية المشهد في الإبداع الأدبي، دار الغرب للنشر والتوزيع،2003، وهران، ص192.
23- جمال الدين خياري، الشعر الشعبي في الجزائر وعلاقته بالموشحات والأزجال، مجلة الثقافة، إصدارات وزارة الثقافة، ع 37، فيفري، مارس 1977، الجزائر، ص 85
24 – حبيب مونسي، شعرية المشهد في الإبداع الأدبي، ص 192.
25- علي عناد، ديوان، جمع وشرح بن على محمد الصالح، دار الثقافة 2008، الوادي، ص 217.
26- المصدر نفسه، ص 217-218.
27 - المصدر نفسه، ص 218.
28- الساسي حمادي، ديوان، شرح وبرح بن على محمد الصالح، دار الثقافة، 2008، الوادي، ص 91.
29- محمد مفتاح، التشابه والاختلاف، نحو منهجية شمولية، المركز الثقافي العربي، 1991، المغرب، ص123.
30 - كمال أبو ديب، جدلية الخفاء والتجلي، دراسة في بنوية الشعر، دار العلم للملاين، ط4،1995، بيروت، ص112.
31- الساسي حمادي، ديوان، ص91.
32 - محمد مفتاح، دينامية النص (تنظير وانجاز)، المركز الثقافي العربي، ط3، 2006،المغرب، ص،99.
33- جوليا كريستفا، علم النص، تر فربد الزاهي، دار توبقال، 1991، المغرب، ص 78.
34- محمد بينس، الشعر العربي الحديث ( التقليدية )، دار توبقال، 1989، المغرب، ص 111.
35- ينظر رشيد بني مالك، قاموس مصطلحات التحليل السميائي للنصوص، دار الحكمة، 2000، الجزائر، ص 92/93.
36 - قصيدة حيزية www.4algeria.com
37 - امرئ القيس، ديوان، تص الشيخ ابن أبي شنب، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، 1974، الجزائر، ص 550.
38- الساسي حمادي، ديوان، ص 69،70.
39 - سورة البقرة، الآية 107.
40- 3 سورة الإسراء، آية 30.
41 -4 سورة الشورى، الآية 19.
42- الساسي حمادي، ديوان، ص 70.
43- سورة المائدة، الآية 64.
44- الساسي حمادي، ديوان، ص 69.
45- سورة التين، الآية 4.
46- الساسي حمادي، ديوان، ص 70.
47 - سورة الأحزاب، الآية 03.
48 - محمد بن سفيان، ديوان، ص 53.
49- سورة الجن، الآية 28.
50 - سورة يس الآية 82.
51- محمد بن سفيان، ديوان، ص 53.
52 - سورة البروج، الآية 16.
53-سورة أآل عمران، الآية 5.
54- سورة النازعات، الآية 30.
55 - سورة يس، الآية 38.


مدير المنتدى
Admin

عدد المساهمات : 166
تاريخ التسجيل : 18/02/2012
الموقع : rihabalkalimah.cultureforum.net

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ichkalat.forumalgerie.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى