مجلة إشكالات في اللغة والأدب
مرحبا بزوار المنتدى وقراء مجلة [ إشكالات ].. نرجو منكم الانضمام إلى أعضائه والتواصل مع أسرة المجلة.

التجربة الإبداعية النسائية في الجزائر ( إشكاليات وقضايا في تجربة زهور ونيسي الإبداعية)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

التجربة الإبداعية النسائية في الجزائر ( إشكاليات وقضايا في تجربة زهور ونيسي الإبداعية)

مُساهمة  مدير المنتدى في الجمعة يناير 29, 2016 2:00 pm

التجربة الإبداعية النسائية في الجزائر
( إشكاليات وقضايا في تجربة زهور ونيسي الإبداعية)

د. بشي (عجناك) يمينة جامعة الجزائر2 أبو القاسم سعد الله


[يطرح الموضوع جملة من الإشكاليات والقضايا المتعلقة بالتجربة الإبداعية النسائية في الجزائر من خلال بعض النماذج والكتابات النسائية؛ كما يبحث عن أبرز القضايا التي طرحتها الكتابات النسائية وكيفية معالجتها لهذه القضايا برؤية أنثوية، وأثر هذه الرؤية في مرآة الإبداع النسوي في الجزائر من خلال مسار التجربة الإبداعية لزهور ونيسي.
وتطرح هذه الدراسة جملة أسئلة أهمها: ما هي أبرز المراحل التي مرت بها التجربة الإبداعية النسائية في الجزائر وأهم اشكالياتها؟ وما هي أبرز القضايا التي طرحتها الكتابات النسائية، وكيف عالجت قضايا الواقع الاجتماعي للمرأة في التجربة الإبداعية؟ وما هي الرؤية التي تحملها التجربة الإبداعية النسائية في الجزائر من خلال نموذج زهور ونيسي].
ملخص باللغة الفرنسية
Cet article expose un certain nombre de questions liées à l'expérience des femmes créatives en Algérie à travers leurs écrits. L’article traite les questions les plus importantes soulevées par les écrits des femmes et la façon d'aborder ces questions féministes à travers quelques thèmes;
Quelles sont les étapes les plus importantes de la créativité des femmes en Algérie; ainsi que les difficultés qu’elle rencontre ? Quelles sont les principales questions soulevées par les écrits des femmes Algériennes? Dans quelle mesure cette expérience a contribué à l’analyse de la réalité sociale relative à la créativité des femmes. Quelle est la vision portée par l'expérience créative des femmes en Algérie à travers les écrits de Zhor ounnissi.


تمهيد: بدايات التجربة الإبداعية النسائية في الجزائر
بدأت الإرهاصات الأولى للكتابة النسائية في الجزائر في الظهور مع مجموعة من النساء في شكل نخبة تَصدَّرْنَ الحركة النّسوية الإصلاحية بالجزائر، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية، وأصبح البعض منهن يكتبن وينشرن في الصحف والمجلات، ويؤلفن القصص، وينظّمن الأشعار، ويشاركن في النشاط المسرحي، ويمتهنّ التدريس والتمريض ويعالجن الموضوعات النسوية ومشاكلهن، وكنّ بمثابة رائدات للنساء الجزائريات اللائي سيكون لهن دور فريد من نوعه خلال ثورة التحرير الكبرى، ثورة أول نوفمبر (1954- 1962م)( )، حين كان صوت المرأة المناضلة في الجزائر يعلو إلى جانب أخيها وزوجها وابنها غاب صوتها الآخر- أقصد غيابها أدبيا- على الرغم من ذلك ظهرت الأديبة (زهور ونيسي) كصوت لا ينافسه أحد، بل استطاع أن يتعدى حدود التقاليد ليكون مناضلا في جبهة التحرير. فتحملت أعباء مسئولياتها كمواطنة، ومسئولية قضيتها الوطنية من خلال الكلمة المقاتلة، خاصة وأنها اتخذت من اللغة العربية سلاحا في وقت أحوج ما تكون فيه الجزائر إلى كلمة عربية، إنها حملت أكثر من سلاح في أتون الثورة.( )
تعتبر(ونيسي) من أوائل الأصوات النسائية البارزة اللاّئي استطعن أن ينطلقن في الساحة الأدبية، ويفرضن وجودهن، ويعبّرن عن آرائهن وأفكارهنّ بكل شجاعة من خلال نضالها الثوري وأعمالها الأدبية في مجال القصة، والرواية، التي تخطت الحواجز، وخرجت إلى الحياة الثقافية بكل شجاعة لتُسهم في بناء الحركة الأدبية النسائية في الجزائر.
ثم توالت بعدها مجموعة أخرى من الأديبات( ) نذكر منهن: الراحلة (زليخة السعودي)، و(جميلة زنير)، و(أحلام مستغانمي) وغيرهن. ولا شك أن هذه الأسماء استطاعت أن تُثبت وجودها في الساحة الأدبية من خلال انتشار كتاباتهن في الصحف، والدوريات. ونظرا لما عرفته الجزائر قبل وبعد الاستقلال من أوضاع في مختلف الميادين، فقد كانت هذه القضايا والموضوعات مصدرا خصبا لكتاباتهن، في مختلف الأجناس الأدبية من شعر، ومقالة، وقصة، ورواية.
إنّ من يبحث عن الأدب النسوي الجزائري في تلك الفترة سيدرك قلة الأصوات النسائية في الساحة الأدبية، لكن هذا لا يمنع من القول أنّ قصص (الرصيف النائم) (لزهور ونيسي) كتبت قبل الاستقلال، وإن كانت طباعة هذه المجموعة القصصية جاءت فيما بعد.
أما الرواية فقد ظلت غائبة حتى سنة 1979م، لتطل علينا رواية (من يوميات مدرسة حرة) لـ(زهور ونيسي)، وكان هناك مشروع رواية في أدب الرّحالة (لزليخة السعودي) إلا أن رحيلها حال دون ذلك( ). والملاحظ أن الأدب النسوي لم يخرج عن كونه أدبا ملتزما بقضايا المرأة والمجتمع، بل أكثر تركيزا على عنصر المرأة، وحريصا على تجسيد معاناتها الخاصة كأنثى، والعامة كإنسانة تسعى لتأكيد الهوية ورفع الحيف والجور عنها، نظرا لما عايشته من ظروف قهر وتخلف خلال فترة الاحتلال( ).
لقد ارتبطت التجربة الإبداعية النسائية بمجتمع جزائري مثقل بالتقاليد والعادات التي تقهر المرأة المثقفة عموما، والمبدعة على وجه الخصوص، لاعتبار هذا المجال حكرا على الرجل ولا يسمح به لدخول المرأة. ففي حديث للكاتبة "زهور ونيسي"عن تجربتها الإبداعية تذكر أنها حاولت طرح حياة امرأة وأحداث وطن، تلخص ما طرأ على الإنسان من تغيرات في مجتمع لا تزال المرأة ذلك الهامش الذي يُقدَس تارة، ويُستعبد تارة أخرى، حسب المنفعة والمصلحة والمفهوم الضيق للشرف، وتعتبر الشاعرة "زينب الأعوج" أن المجتمع الجزائري سار على كثير من جثث النساء البريئات، لأنه محمل بإرث طويل من الظلم والفكر الإقطاعي( ).
يمكننا تلخيص أهم أسباب تأخر الكتابة النسائية في الجزائر في العامل الاستعماري والتقاليد الاجتماعية التي كانت تنظر إلى المرأة نظرة دونية تنطوي على كثير من الاحتقار، وترى أن تواجدها في الحركة الاجتماعية يثير الفتنة ويشجع الانحلال، لذا فَرَضَت عليها ظروف العزلة والتجميد لطاقاتها الإبداعية والفكرية.( )
ـــ التجربة الإبداعية عند الأديبة زهور ونيسي:
إن عملية الكتابة بالنسبة إلى (ونيسي) تأخذ أبعادا متشعبة ومعقدة عندما تصدر عن امرأة، حيث تتجلى لنا معاناة خاصة تعكِس ضرورة اتساع العالم الدّاخلي للمرأة المبدعة، وما يحمله هذا الاتساع من مشكلات، وخصوصيات، وتحدّيات، وشوق كبير إلى مواكبة أزمنة الإبداع، فهي اهتمامات إنسانية، تبدو كسلسلة مترابطة الحلقات.
إن هذه الخصوصيات تُثرِي بشكل كبير عمليات الإبداع الإنسانية، وتضمن تكاملها وشموليتها( ). إذاّ (فونيسي) ترى أن عملية الكتابة لدى المرأة تحمل ميسما خاصا بها، وهذه الخصوصية تزيد عملية الإبداع لدى المرأة عمقاً وتميزاً، كما تُضفي عليها أبعادا جديدة تختلف عن غيرها من الكتابات، ورغم هذا التّميز الذي يخصّ عملية الإبداع والكتابة لدى المرأة، إلاّ أن المرأة العربية- خاصة – ما تزال تعيش ظروفاً وأوضاعاً مُتعبة، وتعاني أفكاراً وذهنيّات مريضة خاصة بعد عصور الانحطاط الفكري والحضاري، لذلك ترى (ونيسي) أن الكتابة عند المرأة في أساسها: "مشروع حياة، لكنها حياة تُجهض قبل أن تولد، عوامل إجهاضها في مكوّناتها مبذورة، اختلطت عوامل فنائها بعوامل وجودها، وتغلّبت الأولى كما تتغلّب كريّات بيضاء تدعي بمغالاتها وقاية الجسد من الأمراض الخبيثة، لتقضِي في النّهاية على كل لون وردي للحياة" ( ).
إن اختيار المرأة للكتابة يعني رغبتها في أن تكُون، وأن تحقق وجودها، وتحقق ما يمكن اعتباره تجاوزاً لوضعها الحالي، وبذلك تصبح الكتابة بالنسبة للمرأة نوعاً من الخلاص والتحرر، لأنّها لم تجد لنفسها موطئ قدم إلاّ بالكتابة التي من خلالها تحاول أن تعكس حضورها ووعيها بالعالم.
إلاّ أنه رغم الأشواط التي قطعتها الكاتبة العربية في مجال الكتابة الأدبية، ومحاولة تأكيدها لذاتها المبدعة كلما سمحت لها الفرصة، إلاّ أنها لا تزال تعاني من إشكالية الازدواجية على مستوى الواقع الاجتماعي المتخلّف، الذي ما يزال يعالج قضايا المرأة المعاصرة، ويطرح حلولا لها؛ بآليات وذهنيّات قديمة تجاوزها الزمن. وهذا ما يلاحظ في أغلب المجتمعات العربية التي باتت تعيش واقعا تسيطر عليه العولمة، والتكنولوجيات الحديثة التي تستلزم تجنيد الجميع: الرجل والمرأة على السواء، للنهوض بهذه الأمة وحل مشاكلها المعاصرة التي تتخبط فيها، إلا أنّ مستوى الوَعي للإحاطة بهذه المسائل الكلّية التي تحرّك دواليب تطوير المجتمعات يظل دون المستوى المطلوب، لهذه الأسباب وغيرها تظلّ المرأة عموما، والمبدعة خصوصا، تعيش في صراع نفسي وفكري دائم، بين ما تفكر فيه، وما تطمح إلى تحقيقه في المستقبل، وبين الواقع الذي تعيشه المثقل برواسب الماضي، وذهنيّاته التي تظل تشدّها إلى الوراء. ( )
أما الغاية من الكتابة؛ فترى (ونيسي) أن للكتابة مهمة نبيلة لها مبادئها القوية، أهمها الالتزام نحو قضايا الشعب، ومبادئ القلم كمبادئ صاحبه، إما قوية عنيفة أو تافهة مهزوزة، والمحافظة على مبادئ وأخلاقيات هذا القلم هي أفضل وأصلح الوسائل للوصول بهذا القلم إلى أهدافه مهما كانت قوية وعنيفة.( )
يبدو واضحا من كلام (ونيسي) ضرورة ارتباط الكتابة بأهداف ومبادئ سامية، تعطي قيمة وقوة للكتابة ولصاحبها، ولا يتحقق ذلك حسب رأيها إلا بالالتزام بقضايا وأهداف كبيرة تستحق النضال في سبيلها.
وتوافق الأديبة الراحلة (زليخا السعودي) الأدبية(ونيسي) الرّأي، وتَرى ضرورة إعطاء الكلمة قيمتها ومسئوليتها، كما تؤكد أن الكلمة والكتابة نضال مستمر ودائم قائلة:"إنّ الكلمة تستمد وجودها من طموح البشرية، وعندما ينتهي الكفاح المسلح بتحقيق الأهداف التي قام لأجلها، لا ينتهي نضال الكلمة بل يستمر أشد قوة وفاعلية، ويكون نضال الكلمة المقدس لأجل المبادئ السامية المخلصة في ثبات وإصرار، رغم الموت المحدق دائما بالكلمة الحرة ".( )
أما عن أهم شروط الكتابة والإبداع لدى المرأة من خلال منظور(ونيسي)، فيجب أن تكون المرأة في استعداد دائم لخوض معارك جديدة من نوع آخر.
هذه المعارك التي تتجاوز أبجديات الكتابة إلى اكتساب مهارات جديدة تفرضها مرحلة العلم والمعرفة والبحث، على المرأة إذ تقول:" وقد كان أهم ميدان لهذه المعارك الجديدة هو؛ أن تتجاوز أبجديات الكتابة والإبداع عند المرأة مرحلة التردد والهواية، إلى مرحلة النضج والجدية والغزارة، والإبداع الفني، واكتساب الخبرات في الأسلوب والتعبير، والجرأة في الطرح". ( )
هكذا يجب أن تخوض المرأة ميدان الكتابة –حسب رأي (ونيسي)- وكأنها تحارب في ميدان المعركة بكل ما أوتيت من شجاعة فكرية، ووسائل فنّية، حتى تُثبت وجودها في الساحة الأدبية؛ وتضيف شروطا أخرى جوهرية، تراها ضرورية للكتابة فتقول:" كما أنّ للكتابة منذ البداية استراتيجية الكلّي المطلق، وعند عملية الإبداع لا مناص من الإفلات من ثنائية المقدس والمدنّس، ويجوز ولا يجوز، وإلا أصبح الإبداع فِكرا مقيدا بقيود مرئية وغير مرئية، الأمر الذي يُجهض عامل حرية التعبير كأهم شرط من شروط الكتابة والإبداع".( )
تؤكد (ونيسي) على الحرية كأهم شرط للكتابة والإبداع،لأن في الحرية تعبير وتحقيق للذّات، وتحرّر من القيود، ومحاولة لفهم ما يحيط بنا في هذا العالم، من ثقافات، وهويات، وعوالم مختلفة. أما عن أثر الكتابة الفاعلة فتصفها بقولها:" الكتابة الفاعلة وسيلة تستمد حياتها من وجودها؛هي خلية حية، متطورة، تجدّد نفسها، إنّ الكتابة تحيّي عظام الكلمات وهي رميم، وتحيي حياة المجتمع وهو ساكن".( )
يتضح مما تقدم أن الكتابة الفاعلة هي قضية الكاتب الواعي، الذي يعايش قضايا عصره لا كمتفرج ولكن كإنسان فاعل، لأن الكتابة الفاعلة لها سلطة قوية تتجلى وظيفتها الاجتماعية في التنوير، والتوجيه، لأن الغاية منها هي إحياء المجتمعات الراكدة، بل تغييرها نحو الأفضل والأصلح.
من خلال عناصر تجربة الكتابة لدى (ونيسي) يتضح أن للكتابة شروطها، كما أن للمبدع دوره وأهميته في عملية الكتابة. يتضح من كلام (ونيسي) أن المرأة المبدعة إنما هي تلك التي تنطلق من مدى ما عاشته من ثراء في رصيدها النضالي والإبداعي الإنساني، والتي لم تحصر كتاباتها في الهموم النسائية الذاتية( ) هذا المفهوم الشامل للإبداع الإنساني ـــــ حسب ونيسي ـــــ ـيبدو في كون أن الأدب الحقيقي إنساني بالدرجة الأولى، وإنّما تقاس قيمته بمدى ارتباطه بقضايا المجتمع، إلا أنها في الوقت نفسه تُقرّ بأن للمرأة خصوصيات لا يجب إغفالها، لأن هذه الخصوصية تبقى قائمة سواء في الموقف، أو في الرؤيا، أو في المعاناة الخاصة في التجربة التي تجعلها متميّزة عن الرجل، وفي هذا المعنى تضيف قائلة: " إن للمرأة خصوصيات وعوالم معقّدة ومتشعّبة، لكنّها إنسانة من الدرجة الأولى تعيش نفس أحاسيس ومشاعر الجنس الآخر، وفي رأيي الإبداع واحد، فالجيّد ليس من صنع الرجل والسيئ من حياكتنا، فهناك تكامل إنساني في الإبداع، وربّما استطاعت المرأة التوغل بطبيعتها في عوالم لا يمكن للرجل الوصول إليها، والعكس صحيح ..."( )
رغم إقرار (ونيسي) بخصوصية تجربة الكتابة لدى المرأة، إلاّ أنّها ترى أن معيار التقييم الحقيقي لأي عمل إبداعي، ليس في اسم صاحبه، ولا في جنس كاتبه، بقدر ما هو في محتواه، وقيمته الفكرية والفنية.
تؤكد (ونيسي) أن عملية الإبداع جدّ معقدة ومتشعبة العناصر، وقبل الخوض في تجربة الإبداع وعناصره؛ يجدر التعريف أولا بمفهوم الإبداع ودوره من خلال وجهة نظر الأديبة إذ تُوَضّح مفهومها للإبداع من خلال تجربتها الشخصية بصفتها شهادة مبدعة فتقول:"... في الحقيقة يجب الاعتراف أنه يصعب كثيرا على المبدع أن يقول شهادة عن ذاته، فشهادة المبدعين يجب أن تكون إبداعا لأنها لا تأتي من فراغ، بل تأتي بعد التعرف المعمق على النفس، من خلال ممارسة الكتابة والإبداع، في تصوير تجربة إنسانية تخص كل مبدع، عبر سرد بعض الأحداث والوقائع والشّخوص، حتى لا تفقد التجربة التصاقها بالواقع، وتفاعلها مع الأحداث" ( ).
كما ترى أن الإبداع الفنّي في جوهره نشاط حر يستهدف تحرير الإنسان من رِبقة الطبيعة، وأسر الظروف الاجتماعية، والارتقاء به إلى عوالم أسمى وأروع تليق بإنسانيته( )، وتوضح أكثر ماهية الإبداع ودور المبدع فتقول:" الكتابة والإبداع حالة هوس، وتوتر، ومعاناة دائمة؛ لأن أهم أدوار الأديب في كل ذلك هو البحث في كل مرة عن اللحظات الجميلة السعيدة في حياة الإنسانية، ودور المبدع في النهاية هو التحليق بالإنسان إلى عوالم أسمى، انطلاقا من واقعيته التي تبقى دائما هي السمو والحلم الدائم نحو الأروع، من هنا كانت مهمة الأديب هوسا وتوترا ومعاناة".( )
أما عن دور المبدع فترى (ونيسي)- بشكل عام- أن الإنسان العادي لا يريد من المبدع أن يكون صورة طبق الأصل منه، ولكنه يريد من المبدع أن يكون الصورة التي لم يستطع هو أن يكونها لأنه غير مبدع، ولا يملك أدوات التعبير التي يتحكم فيها المبدع ( )، ولهذا بات دور الكاتب، ومستوى وعْيه، على جانب كبير من الأهمية لِمَا يجري حوله في المجتمع من صراعات وقضايا، بحيث تكون كتاباته مرآة عاكسة لهذا الواقع، وذات تأثير قوي.
أما عن ظروف الكتابة لدى ونيسي فترى أنه لا يمكن فصلها عن وضْع الثقافة في الوطن، بل وعن الوضع العام، إذْ كلّ شيء يتأثّر بغيره من المواضيع.( )
لهذا فإن رسالة الكاتب بقدر ما هي عذاب ومعاناة واحتراق لذاته، فهي أيضا رسالة ممتعة، وهادفة، لا يتأتّى أداؤها إلاّ إذا كان شغوفا بالمعرفة وتقنيات الكتابة المضنية التي لا يجيدها الإنسان العادي، ولا يصل إلى هذه المكانة إلا الكاتب الملتزم برسالة الكتابة، حيث يسخّر سنوات عمره لتحقيق الهدف من رحلة الكتابة.( )
إنّ الكتابة والإبداع كوسيلة تبليغ لهذا الفكر، ما هي إلا حالة هوس وتوتر ومعاناة دائمة، لأن أهم دور للمبدع في كل ذلك هو البحث وكل مرة، عن تلك اللحظات الجميلة السعيدة في حياة الإنسانية، في جوانبها المضيئة العادلة. البحث عن مواسم للفرح، الأخذ بيد الإنسان لإزالة التشوهات، والحفر التي تقبح وجه الحياة، في عينه وعيون الآخرين وإزالة بذور اليأس، بزرع الأمل الأخضر في حالات القنوط والضياع التي تعاني منها الإنسانية في كل عصر ( ). لتأخذ بعد ذلك أبعادا متشعبة ومعقدة، عندما تصدر عن امرأة، حيث تتجلى معاناة مضاعفة، تعكس ضرورة اتساع العالم الداخلي للمرأة المبدعة بما يحمل هذا الاتساع من مشكلات وخصوصيات وتحديات مغامرة، وشوق كبير إلى مواكبة أزمنة الإبداع.( )
تجربة الكتابة الروائية عند زهور ونيسي:
لعلّ أن انطلاق رحلة الكتابة النضالية لدى (ونيسي) بدأت من معركة تعليم اللّغة العربية في ظل الاحتلال في إحدى مدارس جمعية العلماء التي كانت مدرسة لتعليم البنات، ومركزاً لإخفاء المجاهدين بعيدا عن أنظار المستعمر، حيث أن هذه المهمة النضالية تقوم بها المعلمة (ونيسي) وزميلاتها في المدرسة، وأنّ هذا الدور النّضالي الخطير الذي قامت به (ونيسي) في المدرسة أثناء الثورة التحريرية سجّلته في مقدمة روايتها (من يوميات مدرسة حرة) :" إنّ ما أعرضه ما هو إلا لقطات سريعة لزاوية تاريخية هامة عشتها بنفسي، وساهمت في بعض جوانبها بجهد (مناضلةً) أحياناً، و(معلمةً) أحياناً أخرى، أو بهما معا
في غالب الأحيان".( )
وتؤكد (ونيسي) في مقدمة روايتها (من يوميات مدرسة حرة) هذه المشاركة النضالية بقولها: "على هذا أمكن للمرأة في مسيرة الثورة أن تُعبّر عن نفسها وترابطها مع متطلبات المجتمع المادية ومعطياته،... فإن الواجبات قبل الحقوق، وهذا جوهر أساسي قدّمته المرأة أثناء الثورة وأضافته لإثراء الفكر الثوري في خصوصية ثورة أول نوفمبر".( )
إن ما يميز شخصية (ونيسي) أنها كثيرا ما تربط في أحاديثها وكتاباتها بين الثورة ونضال المرأة، وتعتبر ثورة التحرير بأحداثها ووقائعها مصدر إلهامها في الكتابة، وأهم مؤثّر في أعمالها الأدبية وهي المجاهدة التي تفتخر بذلك:" نوفمبر، الثورة التي لا أستطيع قطعا أن أكون موضوعية في الكتابة عنها. ربما يستطيع أن يكون كذلك من لم يعش هذه الثورة، أما أنا فلا أستطيع - مهما حاولت- أن أكون موضوعية، وأنا أجتهد في الكتابة عن أول نوفمبر، إنها أكبر منّي. هذه الذكرى أكبر من حاملي الأقلام، وأكبر منكم أيضا، أكبر منا جميعا أحياءنا، والذين سيولدون".( )
هذه الثورة التي امتدت جذورها وتشعّبت في أعماقها وذاكرتها، وقد اعترفت في أكثر من موقف على قوة هذه العلاقة حتى أصبح نوفمبر كل شيء عندها( ).
وبمشاعر فياضة تعبّر عن حالتها النفسية، وعن دورها التربوي والإعلامي في المدرسة، وأنّ المسؤولية الثورية آنئذ كانت تتجاوز الكلام إلى الفعل:" أستطيع أن أزْعم أنني عشت حرب التحرير على أعصابي خلالها، وبعدها وكل ما أكتبه أو أقوله يصدر من داخل النفس، باعتباره عنصرا أساسيا في وجود كنت أحياه ... إنّني لا أنكر ضراوة الحرب النفسية التي تعرّضتُ لها في حياتي، فقد كانت أياما قاسية اضطربت فيها كثير من المواطن، وحلّ الارتباك في كثير من المواقع والأحداث، وبرزت الصراعات وهذا ليس غريبا على أية ثورة وبخاصة على نزول المرأة للعمل داخل تنظيماتها السرية( ).
لقد كانت الحرب فرصة لِتُعبّر المرأة عن نفسها بصورة مضاعفة تثبت قوتها للمستعمر، وللرّجل في الوقت نفسه، وبذلك فإن الثورة الجزائرية كانت ثورة في عقول الرجال كذلك، فقد تقبلوا كفاح المرأة في هذا المجال:" وأبرزت الثورة المسلحة صورة المرأة المحاربة، والمناضلة، فكان حضورها هذا دليلا بارزا على التّحول الاجتماعي الذي وقع في البلاد وفرض مساهمة كل مواطن في محاربة الاستعمار"( ).
إذن فإن الأدوار المتعددة التي قامت بها النساء خلال الثورة قد أحدثت خلخلة في العلاقة الاجتماعية، فارتفعت لأول مرة مكانة المرأة ونُسِجت حول بطولتها القصص والروايات التي سيتغذى بها الأدب القصصي، وتصبح رمزا للمقاومة والنضال في رواية (من يوميات مدرسة حرة) ( ). لقد استمدت (ونيسي) في روايتها هذه واقع الثورة ما قبلها وما بعدها، فهي تصوير لعالم من المعاناة والأشواق، يربط التاريخ بالأسطورة والواقع في الوقت نفسه ( ) وهي دفاع حماسي عن البطولة الشعبية ومقاومة الاستعمار، وتحية حب للشهداء الذين جعلوا من حب الوطن معنى وحيدا للوجود...( ).
إن الفن الروائي في رواية (من يوميات مدرسة حرة) يتجلى بوضوح من خلال استعمال المؤلفة للعناصر الفنية الروائية وأساليبه المختلفة؛ كرسم الشخصيات، وتطور الأحداث، والتركيز على المضمون، والاهتمام بالأسلوب، وتصوير البيئة الزمانية والمكانية، زيادة على استعمال السرد والوصف والحوار.
ولا تنسى الكاتبة أن تضيف إلى روايتها بعض الأساليب الفنية للرواية كالارتداد (الفلاش باك)، الذي ينير ماضي الشخصيات وخلفياتها الفكرية والسلوكية، وكذلك أسلوب المناجاة أو المونولوج الداخلي( )، الذي يغوص في أعماق الشخصيات ليعبّر عن أدق المشاعر والأحاسيس التي تعتمل داخلها، وقد أكّدت المؤلفة على أن روايتها (من يوميات مدرسة حرة) مزيج بين العمل الثوري، والفن الروائي، والسيرة الذاتية، فهي تقول في مقدمة الرواية:" قد حاولت أن أربط بين الموقف الفنّي الروائي، وأواجهه بكل صدق، وبين تقديم بعض تراث الثورة من خلال إشارات سليمة الهوية واضحة المقصد قد لا تكون وافية، ولكنها أكيدة بالقطع، وكنت ومازلت أتشوق إلى أن أضع تصورا للعناصر التي تكون منها هذه المذكرات وقد توضح لي بأن ثلاثة عناصر هي مرتكزها:" الجذور والأرضية التاريخية للحدث، الأشخاص الذين تواجدوا في هذه الأرضية التاريخية في غضون الحدث ذاته بصفتهم حقيقة وواقع، وليس خيالا أو أسطورة، الصيغة والأسلوب الذي يقدم به هذا العمل للمجتمع".( )
وتجدر الإشارة إلى أن عناوين روايات السّير الذاتية تتميز بقدرة على إعطاء الإيحاءات المتعددة وهي تعكس فِكر كاتبتها، وما مدى اتفاق دلالة عنوان الرواية على ما بداخلها، وما تقصده كاتبة السيرة الذاتية. فعملية الربط بين السيرة الذاتية، وعنوانها، وكاتبها، حتمية بحكم طبيعة النوع الأدبي وفنّيته في الوقت نفسه، وهو ما يجب الالتفات إليه عندما نتوقف عند عناوين السير الذاتية، أي الوظيفة الدلالية للعنوان.
لو تأمّلنا الدلالة المعنوية للعنوان ومدى ترابطه مع وقائع وأسماء وردت داخل الرواية لأمكننا الإلمام بالأهمية الفنية للعنوان في النماذج الراهنة للسّير الذاتية ( ).
إن قارئ رواية (من يوميات مدرسة حرة) يتأكد من مدى تطابق عنوان الرواية مع أحداثها وشخصياتها فكريا وفنيا. ذلك أن (ونيسي) تأتي مرة على التاريخ لتسجل وقائعه، وتارة تميل إلى الفن لتجمع بين المذكرات كأسلوب، وبين الحوار كرؤية فنية روائية يلاحظ اعتماد الكاتبة في روايتها أسلوب المذكرات، وأكثر التقنيات الروائية المستخدمة فيها هي تقنية اليوميات والرسائل، حيث يتجلى فيها صوت البطلة ممتزجا بصوت المؤلفة عبر ضمير المتكلم(أنا) وتظهر صيغة (الأنا) في مواضع عدة، منها قولها: " أقبلت على الباب"و" تحركاتي أصبحت محسوبة"( )، فنعايش لغة البوح والاعتراف التي توحي لنا باندماج صوت البطلة بصوت المؤلفة، لهذا بدت الصيغة الأكثر انتشارا في الرواية النسوية هي صيغة المتكلّم التي لها الفضل في إشاعة جو من الألفة في الرواية، فأنقذتها أحيانا من الرتابة الإيقاعية بفضل حرارتها وصدقها وتنوعها بين لغة الأعماق ولغة الواقع المعيش( ).
أما التجربة الروائية في رواية "لونجا والغول" فتبدو تجربة مغلّفة بالرمزية؛ فالعنوان ذو مدلول رمزي واضح" يتضمن بداخله العلامة والرمز وتكثيف المعنى بحيث يحاول المؤلف أن يثبت فيه قصده برمته، أي أنه النواة المتحركة التي خاط المؤلف عليها نسيج النص، وهذه النواة لا تكون مكتملة، فهي تأتي كتساؤل يجيب عنها النص إجابة مؤقتة للمتلقي كإمكانية للإضافة والتأويل" ( ). وعلى هذا فعنوان " لونجة والغول" يحقق شكلا من أشكال التناص بواسطة توظيف القصص الشعبي أو الحكاية الخرافية (لونجة والغول) التي تعد من التراث الشعبي والجمع بين لونجة والغول في رواية زهور ونيسي هو جمع بين المغتصب والغاصب، وتقديم لونجة عن الغول في العنوان دليل على أهميتها إنه حامل لشحنة من المعاني مصدرها التراث الشعبي" ( ) وهذا يعني أن لونجة هي رمز الخير وهي شخصية نسائية تقدم كرمز للوطن الأم (الجزائر) المغتصبة والمحتلة من طرف المستعمر، ويصبح الغول رمزا أسطوريا للاستعمار الجبار الطاغي الذي حكم الجزائر بالحديد والنار.
إن الكاتبة في تجربتها الروائية تعمد إلى تصوير العالم، وتحاول تحقيق مصالحة مع هذا الواقع بوصفه حتمية معقولة( )؛ لهذا عمدت الكاتبة إلى استعمال لغة بسيطة وواضحة بحكم أنّ شخوص الرواية هم من الطبقة العامة والفقيرة، فلجأت إلى لغة تحاكي واقع هذه الشخوص وتحاكي الفترة التي تعيشها دون تكلف في العبارات حتى أن بساطتها تكمن في استعمالها لألفاظ عامية شعبية في بعض المواقف، وخاصة الحوارات التي تجري بين شخصيات الرواية فنجد مثلا : الحايك، القبقاب، البقراج، الكراطة ..الخ، وربما يعود استعمال زهور ونيسي لهذه اللغة لتسهيل الاستيعاب لدى القارئ كون الرواية موجهة إلى عامة الناس بكل مستوياتهم، وليس النخبة منهم فقط ( ).
حاولت في تجربتها الروائية أن تنسج الخيوط التي تربط حاضرها بماضيه القريب والبعيد وكان استخدامها لرموز الموروث الروحي والمادي بصورة عفوية دون تكلف.
أما رواية "جسر لبوح وآخر للحنين" فكانت تجربة الكتابة الروائية مرتكزة أساسا على مدينة (قسنطينة) وحضورها بقوة في هذه التجربة الروائية؛ فهي مثابة الشخصية الأولى والقضية المحورية التي يدور حولها الصراع في رواية "جسر للبوح وآخر للحنين".
إن انجذاب الروائية الجزائرية إلى هذا المكان دون غيره من المدن الجزائرية الأخرى، دليل على أنه مكان يحمل دلالات تاريخية وحضارية عريقة وطبيعية خارقة، إنها مدينة تسحر العيون والعقول بجمالها وطابع جغرافيتها. لقد كان لشخصية البطل (كمال) الدور المهم في الرواية من خلال تنقلاته في أماكن عديدة مما سمح لنا الكشف عن الدلالات التي تحملها هذه الأماكن، كما نلمس إحساس الروائية الكبير بهذه المدينة (قسنطينة) التي تمثل مسقط رأسها حيث تصفها بأبهى صورة لتترك انطباعاً قويا لدى القارئ من خلال تصويرها لهذه الأماكن، هذا فضلا عن اهتمام الروائية بالموروث الشعبي القسنطيني، هذه المدينة (الرمز) التي احتلت حيزا مهما في الرواية، وذلك من خلال إبراز الروائية لأماكن عديدة، اكتست دلالات عميقة من خلالها تؤكد الكاتبة مدى تمسك الإنسان الجزائري بأرضه وجدانيا وتاريخيا رغم قهر الاحتلال.
أما تجربة الكتابة في "عبر الزهور والأشواك" (مسار امرأة) " لزهور ونيسي، فتتسم تجربة الكتابة فيها بالبوح الأنثوي حيث تنسج خيوط تجربة "مسار امرأة"؛ فتتوقف الأديبة عند أبرز المحطات التي مرت بها في تجربتها الإبداعية مفضية ببعض أسرار ومفاتيح هذه التجربة المضنية في الكتابة والإبداع عامة والروائية خاصة إذ تصرح:"إن لكل روائي مفتاح لفهم شخصيات الرواية، حيث يعتبر المحرك الديناميكي للحياة وأحداثها وعقدها المتأزمة، فإن مفتاحي كروائية وقصاصة، كان دوما المرأة والإنسان بشكل عام، ليس كموقف سياسي واجتماعي محدد، ولكن كجرح كذاكرة، كحالة إنسانية، كوضع كثيرا ما شعرت أنه يعبر عن الانحراف عن روح العدالة الواجبة تجاه الأفراد ككل،وتجاه الرجل للمرأة بشكل خاص...وكما أن لكل روائي مفتاح، نجد أن لكل روائي لغة خاصة به، وكثيرا ما تلونت عندي هذه اللغة، تارة متفجرة، وتارة مفجعة، وتارات رقيقة..."( ).
إن الرواية عندي هي تحوّل من تصوير البنية السطحية للواقع إلى التركيز على البنية العميقة للواقع، والكشف عن تعقده، واستعمال الحوار الروائي وسيلة وغاية معا لتفكيك هذا الواقع القريب البعيد وبداخله الإنسان( )... وتستطرد أكثر في الحديث عن تجربتها الروائية الأولى قائلة :"عندما كتبت أول رواية (من يوميات مدرسة) وكانت بصيغة المتكلم، طبعها بعض النقاد بطابع الذاتية، واعتبرت عند البعض شبه مذكرات فقط، مع أنها كانت حياة بطلة رواية استمدت كل أحداثها من الواقع، واقع الحياة ولم تخل من جماليات الوصف والتحليل، وروعة المتخيل، حياة بطلة يمكن أن تكون هي حياة ضمير المتكلم، ويمكن أن تكون حياة الغائب هي ذات بطلة، تمثل ذوات أخرى اليوم أو غدا، وتعبر عن الكثير من النماذج البشرية الأخرى...ولأنني أعتقد أن الكاتب فنان أيضا، وأن هذا الفنان له دور في إبراز تاريخ شعبه، من تسجيله الإبداعي والفني، ودوره لا ينتهي عند هذا الحد، لأنه ليس كالمؤرخ المفروض عليه أن يعتمد نوعا من الأساليب التقريرية والتسجيلية في كتاباته.
إن هاته الأساليب لا قدرة لها في رأي الفنان على الإلمام بجميع جوانب حدث ما، لأن الحدث عند الفنان إنساني، قبل أي شيء آخر، إنه وقبل أن يكون حسابات وأرقاما وتواريخ، هو مشاعر وأحاسيس لا تخلو من ذاتية ".( )
هكذا تبرز الأديبة خصوصية الكتابة الأنثوية في تجربتها الإبداعية، تلك الخصوصية التي تحمل شفافية وحساسيةً مرهفةً خاصة تنبع من طبيعة المرأة المختلفة عن الرجل؛ ففي كتاباتها عن المرأة وهمومها شفافيةٌ خاصة، وهذا ما جسَّدته في تجربتها الإبداعية.
إنّ الأهمية التي تكتسيها تجربة الكتابة عند ونيسي تلخّصها هذه العبارات:" لقد أصبحت الساعات التي أكتب فيها، هي أسعد الساعات، وعندما تمضي أيام، لا أضع فيها مشروعا لقصة أو أثر أدبي، أكون كمن أضاع من عمره جزءا هاما ومعتبرا، هكذا اقتطع من عمره، ليوصله وبسرعة إلى الموت لقد كانت ومازالت الكتابة بالنسبة لي هي الحياة..." ( ).
خــــــــــــــاتمة:
تلك هي بعض القضايا والإشكاليات التي عالجتها وطرحتها (ونيسي) في مسار تجربتها الإبداعية عامة، والروائية خاصة التي شكّلت مسارها السردي والإبداعي؛ حيث كشفت لنا من خلال هذه التجربة الإبداعية المتفرّدة عن رؤيتها لمفهوم التجربة الإبداعية النسائية وخصوصيتها، وأهمية ودور المبدع فيها، كما أوضحت لنا أهم معالم وعناصر تلك التجربة الإبداعية انطلاقا من تجربتها الشخصية في الكتابة التي استغرقت قرابة نصف قرن من الزمن أو يزيد قضتها في الكتابة والإبداع عن: هموم المرأة وقضاياها، ومقاومة الاستعمار، وحرية الوطن، والإنسان، وغيرها من القضايا الإنسانية الأخرى من خلال تجربة في رحلة الكتابة المليئة بالآلام، والآمال، والاستشراف حيث استطاعت (ونيسي) من خلال هذه التجربة الإبداعية الطويلة إيصال رسالتها ورؤيتها إلى القارئ الجزائري والعربي بل إلى الإنسان حيثما كان.

هوامش:

مدير المنتدى
Admin

عدد المساهمات : 166
تاريخ التسجيل : 18/02/2012
الموقع : rihabalkalimah.cultureforum.net

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ichkalat.forumalgerie.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى