مجلة إشكالات في اللغة والأدب
مرحبا بزوار المنتدى وقراء مجلة [ إشكالات ].. نرجو منكم الانضمام إلى أعضائه والتواصل مع أسرة المجلة.

انضم إلى المنتدى ، فالأمر سريع وسهل

مجلة إشكالات في اللغة والأدب
مرحبا بزوار المنتدى وقراء مجلة [ إشكالات ].. نرجو منكم الانضمام إلى أعضائه والتواصل مع أسرة المجلة.
مجلة إشكالات في اللغة والأدب
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

رسُل الغزو الفرنسي إلى الجزائر: التنصير أنموذجا عرض ونقد

اذهب الى الأسفل

رسُل الغزو الفرنسي إلى الجزائر: التنصير أنموذجا عرض ونقد Empty رسُل الغزو الفرنسي إلى الجزائر: التنصير أنموذجا عرض ونقد

مُساهمة  مدير المنتدى الجمعة يناير 29, 2016 6:23 pm

رسُل الغزو الفرنسي إلى الجزائر: التنصير أنموذجا
عرض ونقد

د / زلافي ابراهيم
جامعة محمد بوضياف- المسيلة/ الجزائر
brahimzelafi@yahoo. fr


ترمي هذه المقالة إلى الوقوف على أهم معاول الهدم والغزو التي سخرها الاحتلال الفرنسي للسيطرة على الجزائر، وتتمثل هذه المعاول في عنصرين أساسيين هما: التنصير والاستشراق، فكانت مهمة المنصر تنصير المسلمين وإخراجهم من دينهم وغزوهم فكرياً، ومهمة المستشرق تزويد الاحتلال بالمعلومات، فكلاهما صخر نفسه لخدمة الاستعمار الفرنسي في الجزائر وسائر البلدان الإسلامية.
Résumé :
Cet article analyse les principaux moyens de destruction et d’invasion utilisée (exploités) par les colonialistes français afin de dominer l’Algérie. Ces moyens sont principalement : l’évangélisation et l’orientalisme, le rôle de l’évangéliste était de christianiser les Algériens et les éloigner de leur religion en plus de les envahir intellectuellement, alors que le rôle de l’orientaliste était de fournir des renseignements nécessaires pour l’invasion de l’Algérie car tous les deux se sont juré de servir le colonialisme français en Algérie et dans les autre pays musulmans.



تمهيد:
أصبـح التبشير بالنصرانية كيانا قائـما بذاته، له مناهجه ومدارسه وأهدافه وأتباعه ومؤتمراته، وأضحى موضوع التنصير هاجسا يشغل فكر الإنسان العربي، ويدعوه بإلحاح إلى دراسة خطابـات هذه الهجمة دراسة فاحصة، من أجل الوقوف على مختلف تفصيلاته وخلفياته ونعرف حقيقته وأهدافه ودوافعه، إنها نقاط هامة يجب الوقوف عندها في ظل العولمة الجديدة. فقد نجد لكل باحث تعريفاً خاصاً به للتنصير أو الاستشراق، وذلك وفقاً لنظرته ولرؤيته إلى أعمال المنصرين أو المستشرقين، ونشاطاتهم وأغراضهم وأهدافهم ومواطنهم وأديانهم. ولا يسعني أن أذكر كل تلك التعاريف والمفاهيم إلا أنني أكتفي بعرض بعض منها.
استخدم المنصرون مصطلح " التبشير" بدلا من كلمة "التنصير" لإخفاء حقيقة أعمالهم، ولذلك كان من الطبيعي أن أوضح المفهوم اللغوي والاصطلاحي لكلمتي التنصير والتبشير.
مفهوم التنصير:
التنصير دعوة إلى دين النصرانية، الذي جاء به عيسى عليه السلام، وكانت دعوة إلى عبادة الله وتوحيده وقد أطلق القرآن الكريم على أتباع عيسى عليه السلام اسم النصارى في قول الله تعالى: ﴿ومِنَ الذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ والْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وسَوْفَ يُنَبِئُهُمُ اللهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ (1). بينما تعاليم النصرانية اليوم غير تعاليمها بالأمس.
التنصير لغة:
عند الرجوع إلى المعاجم العربية القديمة نجد الفعل:نَصَر ينصُر نَصْراً: بمعنى منح. والنَّصائِرُ: تعني العطايا. ويقال رجل نَصْراني وامرأَة نَصْرانيَّة، ونَصْرانُ قرية بالشأْم ينسب إِليها النَّصارى، ويقال: ناصِرَةُ. أما كلمة التَّنَصُّرُ: فتعني الدخول في النَّصْرانية، ونَصَّرَه: جعله نَصْرانِيّاً. والتنصير:مصدر نصَّرَ أي جعله نصرانياً. كما نجد هذا المعنى في الحديث الشريف الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه، حيث قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» (2). ينصرانه بمعنى يجعلانه معتنقا النصرانية.


التبشير لغة:
بالرجوع إلى لسان العرب نقف عند الكلمات التالية:بَشَرْتُه فَأَبْشَرَ واسْتَبْشَر وتَبشَّرَ وبَشِرَ: بمعنى فَرِحَ. فكلمة التبشير مأخوذة من الفعل الثلاثي بَشَّرَ، يقال بشرت فلاناً أبشره تبشيراً، وذلك يكون بالخير والشر. والتبشير هو الإخبار المفاجئ بخبر يظهر أثره على بشرة الوجه خاصة وعلى باقي الجسم عامة، سواء كان هذا الخبر ساراً أو غير سارِ. وقد غلب استعمال كلمة التبشير في الإخبار بالخبر السار والمفرح (3). ومنه قول الله تعالى: ﴿ وأَبْشِرُوا بِالجَنَّةِ التيِ كُنْتُم تُوعَدُونَ ﴾(4)، وقد تأتي كلمة التبشير مقيدة بالشر كما في قول الله عزَّ وجل: ﴿ بَشِّرِ المُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُم عَذَباً أَلِيماً ﴾ (5).
التنصير (التبشير ) اصطلاحاً:
يأخذ مصطلح التنصير مفهوم الدعوة إلى دين النصرانية، ومحاولة نشرها في أنحاء العالم بكل الوسائل والسبل. وتمثل المجتمعات الإسلامية خاصة هدفاً مباشراً، وميداناً واسعاً لها، وهي دعوة لها برامج وخطط وإمكانات مادية ومعنوية هائلة. ولما صارت مفاهيم النصرانية اليوم تختلف عن مفاهيمها بالأمس، فإن مفهوم كلمة التبشير اليوم لا يتماشى وأهداف هذه الدعوة، " فأصبحت كلمة التبشير اليوم تعني الفكر المنحرف الذي يخدم الاستعمار، ويساعده على إحكام قبضته على العالم ويقضي على الأخلاق " (6).
اتخذ التنصير الخدمات الإنسانية وسيلة للوصول إلى الناس، حيث بنى المدارس في البلدان العربية وشجع أبناء المسلمين على تعلم اللغات الغربية لكي يتسنى له زعزعت اعتقادهم بلغتهم وبالقرآن الكريم. وبنى جامعات من أجل تخريج قيادات عربية تحمل مفاهيم الثقافة الغربية. وبنى كذلك المستشفيات ودور الرعاية لنفس الغرض. وفي هذا يقول "أنور الجندي" في تعريفه للتنصير أي التبشير:«التبشير تنظيم تربوي تعليمي، يجري به إخراج المسلمين من عقيدتهم ومفاهيمهم، عن طريق استغلال الطلاب والمرضى، وتحويل عقائدهم والتأثير على مفاهيمهم وتحطيم معنوياتهم، وتخريج أجيال ممسوخة، مبلبلة العقائد، مضطربة الثقافة منكرة لقيمها وثقافتها ولغتها وتاريخها »(7).
من أجل تذليل الصعوبات التي تجابهه صنع الاحتلال رُسُل غزو فكري وحضاري، وزودهم بالوسائل الخدماتية، وجعل تحت تصرفهم المدارس والجامعات من أجل السيطرة على الفكر قبل الأرض.
علاقة التنصير بالاستشراق:
ظهر التنصير كبديل بعد فشل الحروب الصليبية، فأرادت أوربا أن تشن على المسلمين حربـاً صليبية جديدة عن طريق التنصير، فاستخدموا لذلـك الكنائـس والمـدارس والمستشفيـات، ونشروا المنصرين في أنحاء العالم الإسلامي. يقول سلمان عبد المالك:«فالتبشير المسيحي ما هو إلا حرب صليبيـة، فهو يشتـرك مع الاستشـراق في نفس الهـدف، وهـما من أبـرز أدوات التغـريب والغـزو الثقـافي، فالاستشراق هو الذي يقـوم بإعداد السمـوم التي يقـوم التبشير ببثها في المعـاهد والجامعات، وإثارة الشبهات حول القيم الإسلامية»(Cool.
ويفهم من هذا القول أن الاستشراق بمثابة غرف العمليات أو المخابر التي ترسم الخطط وتوفر السموم وتصدر الأوامر، أما التنفيذ فهي مهمة التنصير الذي يقوم بزرع السموم في المجتمعات الإسلامية عبر منابر التعليم وغيرها من المؤسسات.
كان المستشرقون هم الطلائع الأولى للمنصرين، حيث كان الاستشراق مقتصراً على فئة الرهبان والقساوسة من رجال الكنيسة وحدهم دون سواهم من الطبقات المثقفة، ثم تطور الاستشراق بعد ذلك وصار علماً قائماً بذاته، وبظهور النزعة العلمية الجديدة لم يتخل الاستشراق عن خدمة الدين المسيحي(9).
بما أن التنصير والاستشراق يمثلان وجهي العملة الغربية التي هي المصدر النفسي والروحي والعقدي والمادي لهما، وهذا المصدر يعين التنصير في توظيف عنصرين هامين هما:
*العنصر الخارجي الذي يتمثل في العلماء والأطباء ورجال الأعمال في هيئة قساوسة، يباشرون مهامهم التنصيرية في أنحاء العالم الثالث.
*العنصر الداخلي الذي يمثله رجال الدين المحليين الذين تربوا في كليات اللاهوت تحت إشراف بعض المستشرقين. ويتميز هذان العنصران بـ :
1- كثرة العدد وتوالي الإرساليات التنصيرية، حيث بلغ عدد المنصرين في العالم مائتين وخمسين ألف منصر.
2-القدرة الفائقة على الحركة والتنفيذ، لما يملكونه من مال ونفوذ سياسي واقتصادي، ووسائل إعلامية كثيفة، وثقافة واسعة حول المنطقة المكلف بها (10).
إن خوف العالم الغربي من وحدة العالم الإسلامي، دفع بوجهي العملة الغربية (الاستشراق والتنصير) إلى تكثيف جهودهما من أجل بث عوامل التفرقة بين المسلمين، حتى لا تقوم لهم قائمة. ويمثل المستشرق لورانس براون واحدا من بين أولئك الذين عبروا عن عدائهم للمسلمين بقوله:« إذا اتحد المسلمون في إمبراطورية عربية، أمكن أن يصبحوا لعنة على العالم وخطراً، أما إذا ظلوا متفرقين، فإنهم يظلون حينئذ بلا قوة ولا تأثير»(11).
إن مهمة المستشرقين لم تكن منفصلة عن مهمة المنصرين بل كان هدفهم واحداً وفي هذا يرى رودي بارت أن جهود المستشرقين انصبت في بدايات الاستشراق في القرن الثاني عشر الميلادي والقرون التالية له على التنصير، وقد عرف رودي بارت التنصير بقوله: «إقناع المسلمين بلغتهم ببطلان الإسلام، واجتذابهم إلى الدين المسيحي»(12). لقد طبق المنصرون مقولة" من علم لغة قوم أمن شرهم " وذلك بإنشاء كراسي للغة العربية في المعاهد والجامعات في أوربا من أجل تخريج منصرين بلسان عربي كي يتسنى لهم تطبيق مخططاتهم.
ويمكن تحديد أهداف الاستشراق التنصيرية في:
أولا: البحث عن نقاط القوة ونقاط الضعف في الدين الإسلامي، لكي يتسنى لهم سهولة التسلل إليه ومحاربته من الداخل، وذلك ببث الشبهات حوله، وحول الرسول صلى الله عليه وسلم.
ثانيا: إيهام المسيحيين بأن الإسلام خطر يهدد حياة المسيحيين، وذلك بحجب حقائقه ونشر الأكاذيب حوله .
ثالثا- تنصير المسلمين، من خلال إخراجهم من الإسلام وعدم إدخالهم إلى المسيحية، حتى يصير المسلم لا دين له ولا ملة.
قاد ملك فرنسا لويس التاسع الحملة الصليبية الثانية على دمياط فوقع في الأسر عام 1249م، ثم قدم فدية كبيرة لفك أسره، عاد بعدها إلى فرنسا، ودعا إلى ضرورة تكتل جهود الأوربيين لتشويه الدين الإسلامي، وإفساد عقيدة المسلمين التي هي سر قوتهم وتفوقهم، وأنه لا غنى للأوربيين عن هذا الغزو الفكري... وأنه لابد من إيجاد سبيل آخر من شأنه أن يزيف هذا المفهوم عند المسلمين، حتى يصبح مفهوماً أدبياً أو وجدانياً بحيث تسقط خطورته(13). بعد قرون من الحروب الصليبية تأكدت أوربا أن القوة ليست السبيل لمحاربة الإسلام، وأن الطريق إلى ذلك هو إفساد العقيدة، ولذلك ركزوا على بث الشبهات حول مصدر القرآن الكريم برده إلى مصادر يهودية ومسيحية، واعتبار الشريعة مستمدة من القانون الروماني، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم منشق عن النصرانية، وأن الذي يعلمه نصرانيا منشقا.
وكانت وصية ملك فرنسا لويس التاسع نقطة تحول في علاقات الغرب مع العالم الإسلامي، حيث جنَّدت أوربا قوى التنصير، وحلَّت البعثات التنصيرية محل القوات الصليبية.
ومن الدعاة المتحمسين الذين طالبوا بتعلم اللغة العربية من أجل تنصير المسلمين:
*روجر بيكون Roger Bacon (1214-1294م)، الذي رأى ضرورة الاستفادة من حضارة المسلمين وتنصيرهم بدل حربهم، إذ يقول:«إن الحروب الصليبية امتازت بالقسوة، وكانت عديمة الجدوى، وهي مضيعة للوقت. وإنه من الواجب تنصير المسلمين ودعوتهم لاعتناق المسيحية بدلاً من التفكير في غزوهم»(14).
* ريموند لوليو Raimond Lolio (1235-1312م) الاسباني، ولد في جزيرة مالاقا، دعا سنة 1265م إلى نقل التعاليم الكاثوليكية إلى المسلمين بلغتهم لتنصيرهم، واعتبر أن الإسلام هو العدو اللدود للكنيسة. وكان الأول من ناد باستبدال الحرب الصليبية ببعثة تنصيرية، ورأى أن التنصير هو الطريقة الوحيدة التي يمكن بها توسيع رقعة العالم المسيحي، ولبلوغ هذا الغرض وضع شروطاً ثلاثة هي:
1- معرفة اللغات الضرورية.
2- دراسة أنواع الكفر وتمييز بعضها من بعضها الآخر.
3- دراسة الحجج المضادة حتى يمكن دحضها (15).
نشرت مجلة العالم الإسلامي الفرنسية التي كان رئيس تحريرها المنصر الفرنسي لو شاتلي عام 1912م مقالا تحت عنوان "الغارة على العالم الإسلامي" يقول فيه:«ينبغي لفرنسا أن يكون عملها في الشرق مبنياً قبل كل شيء على قواعد التربية العقلية، ليتسنى لها توسيع نطاق هذا العمل، والتثبت من فائدته... ومن هذا يتبين لنا أن إرساليات التبشير الدينية التي لديها أموال جسيمة، وتدار أعمالها بتدبير وحكمة تأتي بالنفع الكثير في البلاد الإسلامية من حيث أنها تَبُثُّ الأفكار الأوربية»(16).
علاقة التنصير بالاستعمار:
لقد كانت عوامل التخلف الحضاري والانحطاط التي أحاطت بالعالم الإسلامي في العصر الحديث، فرصة استغلها الغرب لتحقيق ما لم تستطع الحروب الصليبية تحقيقه من قبل. ولقد نجح الغرب في توظيف المؤسسة الاستشراقية التنصيرية في خدمة أغراضه وتحقيق أهدافه. يقول النائب الفرنسي فرناند أنجران: «إن المبشر يعمل من أجل ازدهار الفكرة الاستعمارية للبلاد التي ينصرها، وذلك برفع المعنويات الروحية والأخلاقية للأهالي... وأن النشاط التبشيري والنشاط الاستعماري شيئان متلازمان، لأن الهدف الأسمى للاحتلال هو التقدم الروحي والأخلاقي للمُسْتَعْمَرين»(17).
لم يكن في أجندة الاحتلال الذي يغتصب الأرض، ولا في أولويات النشاط التنصيري في يوم ما أنه يعمل من أجل ازدهار أهل البلاد التي يدمرها، أو يزرع الأخلاق والمثل العليا للأهالي الذين يشردون من أرضهم ويدفعون إلى المجاعة والأمراض، ثم يقدم لهم قطعة رغيف مقابل ترك ديانتهم والدخول في المسيحية، وإذا أبوا بطش بهم جنود الاحتلال.
لقد أكد المؤرخون على أن الحملات التنصيرية التي حلَّت محل الحملات الصليبية كانت طليعة الغزو الاستعماري الجديد، حيث أنها ركزت على النواحي الفكرية من أجل الوصول إلى العقول والقلوب، فإذا نجحت في ذلك قبلت الشعوب السير في ركاب الحضارة النصرانية. يقول المنصر وليام بلغراف:« أنه متى توارى القرآن ومدينة مكة عن بلاد العرب، يمكننا أن نرى العربي يتدرج في سبيل الحضارة التي لم يبعده عنها إلا محمد وكتابه»(18).
إنه حلم القرون الذي لم يتحقق ولن يتحقق، فالقرآن الكريم باق إلى ما يشاء الله، ومدينة مكة البلد الآمن من مكر الماكرين، ومحمد صلى الله عليه وسلم أنار للعام طريق الهداية، لا سبيل الحضارة المزيفة.
يقول القس صمويل زويمر:«... ولكن مهمة التبشير التي ندبتكم دول المسيحية للقيام بها في البلاد المحمدية ليس الغرض منها إدخال المسلمين في المسيحية، فإن في هذا هداية لهم وتكريماً، إنما مهمتكم أن تخرجوا المسلم من الإسلام ليصبح مخلوقاً لا صلة له بالله، وبالتالي لا صلة تربطه بالأخلاق التي تعتمد عليها الأمم في حياتها، وبذلك تكونون أنتم بعملكم هذا طليعة الفتح الاستعماري في الممالك الإسلاميـة، وهذا ما قمتم به خلال الأعوام السالفة خير قيام، وهذا ما أهنئكم عليه وتهنئكم عليه المسيحية والمسيحيون جميعاً»(19).
ينظر المنصرون إلى المسلمين على أنهم كفارا لا دين لهم ولا ملة، ونتيجة للحقد الدفين الذي تكنه الكنيسة للإسلام منذ قرون طويلة، وورثه الخلف عن السلف، فإن زويمر يتباها بعمل القساوسة، ويرى في إخراج المسلمين من الإسلام، وعدم إدخالهم في المسيحية هي مهمة نبيلة وخدمة للمسيحية.
يقول محمد البهي: «رغب المسيحيون في التبشير بدينهم بين المسلمين، فأقبلوا على الاستشراق ليتسنى لهم تجهيز الدعاة وإرسالهم للعالم الإسلامي، والتقت مصلحة المبشرين مع أهداف الاستعمار، فمكن لهم واعتمد عليهم في بسط نفوذه في الشرق، وأقنع المبشرون زعماء الاستعمار بأن المسيحية ستكون قاعدة الاستعمار الغربي في الشرق، وبذلك سهل الاستعمار للمبشرين مهمتهم، وبسط عليهم حمايته، وزودهم بالمال والسلطان، وهذا هو السبب في أن الاستشراق قام في أول الأمر على أكتاف المبشرين والرهبان ثم اتصل بالاستعمار»(20).
إن التخطيط لاحتلال الجزائر بدأ منذ بداية القرن السادس عشر الميلادي في مخابر التنصير والاستشراق، وأن الدافع للاحتلال كان دينيا، وهذا ما أعلن عنه المنصر الفرنسي فرديناند الكاثوليكي Ferdinand le Catholique (1452-1516م) حيث عبر عن نيته لغزو الساحل المغربي الإسلامي، وهذا من أجل إقامة أسقفية بمدينة بجاية وكنيسة بمدينة وهران(21). كما ساندت الطبقة المثقفة الفرنسية قرار دعاة التنصير، حيث جاء في خطاباتها أن سيطرة فرنسا على البلاد الإسلامية هي من أمر الله:« انتشار السيطرة الفرنسية في البلدان الإسلامية هي من أمر الله ذاته، وهدفها الواضح هو مراجعة الإسلام لحمايته من انحرافاته التلقائية. .. »(22).
اصطحب نابليون بونابرت في حملته على مصر جمعا من المستشرقين والمنصرين، وأخذ بمشورتهم وتوجيههم لمعرفتهم بالإسلام، وأوهم المصريين أنه جاء ليخلصهم من المماليك، وأن هذا بإرادة الله وقدره، وهذا في قوله: «... وأن الله قدَّر في الأزل أني أجيء من الغرب إلى أرض مصر لهلاك الذين ظَلموا فيها وإجراء الأمر الذي أمرت به. ولا يشك العاقل أن هذا كله بتقدير الله وإرادته وقضائه»(23).
تتكرر خطابات التنصير سواء على لسان المنصرين أنفسهم أو على لسان قادة الاحتلال، بأن الله أمرهم بهذا، أي بالسيطرة على الشعوب وتشريدهم ونهب خيراتهم، وهل العاقل يصدق هذا الادعاء؟
في الربع الأول من القرن التاسع عشر أي عام 1830م تاريخ احتلال فرنسا للجزائر، عرفت هذه الفترة جهوداً حثيثة ومحاولات تنصيرية كثيرة، قام بها رجال الكنيسة الفرنسيين. حيث رافقت الجيوش الفرنسية أعداد هائلة من المنصرين كان على رأسهم الكاردينال شارل مارسيال لافيجري Lavigirie (1825-1892م) الذي صار مطراناً للجزائر وكبيراً لأساقفة إفريقيا، ومبعوثاً للبابا في منطقتي الصحراء الكبرى والسودان، وكان هدف هذا الكردينال هو تحويل إفريقيا إلى التعاليم الكاثوليكية، وفي سبيل هذا الغرض منحته فرنسا ما يشاء من الأموال ليواصل عمله (المقدس) (24).
لقد عمل المستشرقون والمنصرون في مناصب مستشارين للاستعمار، فنجد المستشرق الفرنسي دي ساسي قد شغل منصب مستشار في وزارة الخارجية الفرنسية، وذلك عندما احتل الفرنسيون الجزائر سنة 1830م، وكان هو الذي ترجم البيان الموجه إلى الشعب الجزائري من طرف الاستعمار الفرنسي. وكان المستشرق لويس ماسنيون كذلك مستشاراً للإدارة الفرنسية في الشؤون الإسلامية(25).
يقول رفاعة الطهطاوي (1801-1872): « إن المطران الكبير بباريس لما سمع بأخذ الجزائر، ودخل الملك شارل العاشر الكنيسة يشكر الله على ذلك، جاء إليه المطران ليهنئه على هذه النصرة، فقال:إنه يحمد الله على كون الملة المسيحية انتصرت نصرة عظيمة على الملة الإسلامية، ولا زالت كذلك » (26).
ويعد المنصر الفرنسي شارل دو فوكو charles de foucauld (1858-1916) من أبرز المبشرين الفرنسيين الذين وصلوا إلى أعماق الصحراء الجزائرية، وتعرفوا على سكان شمال إفريقيا، إذ يقول:« إن سكان إمبراطوريتنا الإفريقية على أنواع مختلفة، فمنهم البربر وهم أقرب الناس إلينا ومنهم العرب وهم أقل استعداداً للتقدم..»(27).
كما ذهب بعض المنصرين الفرنسيين إلى القول:«إن البربر كانوا ومازالوا مسيحيين، وأن دعاة المسيحية الذين بثتهم فرنسا بين القبائل البربرية، إنما هم وعاظ يذكرون إخوانهم البربر بدينهم القديم، لا دعاة إلى دين جديد أو معتقدات غربية... البرابرة هم الذين فتحوا اسبانيا وغزوا فرنسا وفتحوا ايطاليا وكانوا مسيحيين»(28).
لقد طاف المنصر دو فوكو المغرب الأقصى من الشمال إلى الجنوب ومن الغرب إلى الشرق، وجمع بدقة كل المعلومات المتعلقة بسكان المغرب بما فيهم البربر والزنوج وسكان الصحراء الناطقين بالبربرية، ثم دخل أرض الجزائر في 21 ماي 1884م (29). وواصل شارل دو فوكو عمله التبشيري بين الأهالي في الجزائر، إلى أن وصل إلى مدينة بني عباس في 30 مارس 1903م،
وقد اعترف بنيته في التنصير في قوله: « إن وجودي ببني عباس لدليل على نيتي في التبشير » (30). حاول تنصير الكبار في مدينة بني عباس ولم يفلح، كما فشل في تنصير الأطفال الصغار. ثم اتجه إلى الهقار بتمنراست من أجل تنصير الطوارق. وكان يرى أن تنصير المسلمين هو الوسيلة الوحيدة لكي تكتسح فرنسا شمال إفريقيا ويدوم بقاؤها إلى الأبد(31). استطاع الأب دو فوكو أن يجتذب إليه الطوارق، ويجعلهم يقبلون عليه ويشاورونه في أمورهم، حتى صار في مثابة المرابط في نظرهم، إلا أنه فشل في تنصيرهم، حيث يقول: « غداً تمر عشر سنوات منذ بدأت أقوم بالقداس بتامنراست ولم أتوصل إلى تنصير شخص واحد» (32).
احتفل الفرنسيون بمناسبة مرور مائة عام على احتلالهم للجزائر، فقال خطباؤهم:«إننا لن ننتصر على الجزائريين ما داموا يقرؤون القرآن، ويتكلمون العربية، فيجب أن نجعل أرض الجزائر مهداً لدولة مسيحية مضاءة أرجاؤها بنور مدنية منبع وحيها الإنجيل أن نزيل القرآن من وجودهم، وأن نقتلع العربية من ألسنتهم » (33). ثم خطب أحد قساوسة الكنيسة فقال: « إن عهد الهلال في الجزائر قد غبر، وإن عهد الصليب قد بدأ، وإنه سيستمر إلى الأبد... » (34).
بدخوله إلى الجزائر حول الاحتلال المساجد إلى إسطبلات للخيول وثكنات للجنود، وكنائس للمسيحيين، وأمر بغلق الزوايا، ومنع تدريس اللغة العربية، كي يتسنى له القضاء على الهوية الوطنية، وبعد مرور مئة عام على وجود الاحتلال بقي القرآن الكريم وبقيت اللغة العربية، وبقي الهلال ولم يستطع الاحتلال بكل وسائله أن يجعل الجزائر مهدا للمسيحية.
وتتضح سياسة التنصير عند الفرنسيين من المقال الذي نشره المنصر وزير الخارجية الفرنسي المدعو هانوتو سنة 1944م، يكشف فيه بوضوح عن سياسة فرنسا في إضعاف عقيدة المسلمين، وذلك عن طريق شرح قيم الإسلام شرحاً يُضْعِف في المسلم تمسكه بالإسلام، ويزرع فيه الشك في عقيدته وتراثه، ويشعره بالتدني والانحطاط، كي يخضع كلياً للثقافة الغربية(35).
لقد منح الاستعمار الفرنسي حرية واسعة للتنصير في سوريا ولبنان، فشيدت الكنيسة الكاثوليكية المدارس والمستشفيات بما تدفق إليها من المساعدات المالية من المؤسسات الأجنبية. وقد استحال على المنصرين الفرنسيين أن ينصروا واحداً من أهل الجزائر بالقوة أو الدعوة، فلجأ لافيجيري إلى بناء زاوية مسيحية تشبه الزاوية الإسلامية، واقترح أن تسمى الزاوية المسيحية بيت الله، وأن يكون لباس المنصرين مثل لباس المسلمين، إلا أن محاولته باءت بالفشل(36).
يقول المستشرق رينه بوتيه في كتابه "الكاردينال لافيجيري":«إن العمل الوطني الذي قام به لافيجيري بدأ مع عمله التبشيري، بدأ بنشره على السوريين تلك العطايا التي تمنحها الكنيسة الكاثوليكية. إنه جعل فرنسا محبوبة لدى السوريين... وعلى أرض الجزائر، مدينة الجزائر، كانت القلوب تخفق لرؤية العلم المثلث الألوان خفقاناً شديداً . .. أراد لافيجيري أن يحبب فرنسا إلى الناس باسم المسيح»(37).
إذا كانت مهمة المنصر كما يدعي زويمر هي إبعاد المسلم عن الإسلام، وعدم إدخاله في المسيحية، وتشريده أو البطش به إذا رفض، فمن أين تأتي محبة الأهالي للجَلَّاد، وهل كانت قلوب الجزائريين تنبض حبا أم تعتصر كرها ؟ وهل ارتد الجزائريون عن الإسلام من أجل حب فرنسا؟.
خاتمة
على الرغم من كل المحاولات التي قام بها المنصرون في الجزائر من أجل غرس المسيحية في فكر الإنسان الجزائري، فقد باءت هذه المحاولات بالفشل، ولم تستطع الكنيسة تحقيق مقصدها ولا نيل مبتغاها، فقد كان الشعب الجزائري على امتداد تاريخه وما يزال إلى يومنا يمثل قلعة حصينة للإسلام. غير أن هذا الفشل الذي مني به الاحتلال والتنصير جعل المنصرين يسلكون طرقاً أخرى بوسائل وابتكارات جديدة.

هوامش:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- سورة المائدة:الآية: 14.
2- ابن منظور، لسان العرب، مادة (نصر)
3- المصدر نفسه، مادة (بشر)
4-سورة فصلت، الآية:30.
5-سورة النساء، الآية:138.
6- عبد الفتاح إسماعيل غراب، العمل التنصيري في العالم العربي، رسالة ماجستير، مكتبة البدر، 2007، ص17.
7- سلمان سلامة عبد المالك، أضواء على التبشير والمبشرين، مطبعة الأمانة، القاهرة، ط1، 1994، ص20.
8- المرجع نفسه، ص26.
9- المرجع نفسه، ص27. 27.
10 - جابر قميحة، آثار التبشير والاستشراق، رابطة العالم الإسلامي، مكة المكرمة، 1991 ص37 -38.
11- إبراهيم خليل أحمد، المستشرقون والمبشرون في العالم العربي الإسلامي، مكتبة الوعي العربي، القاهرة، 1964، ص37.
12- محمد أمين حسن، المستشرقون والقرآن الكريم، دار الأمل للنشر والتوزيع، الأردن، ط1، 2004، ص31.
13- محمد أمين حسن محمد، المستشرقون والقرآن الكريم، ص19.
14- لخضر الشايب، نبوة محمد في الفكر الاستشراقي المعاصر، مكتبة العبيكان، الرياض، 2001، ص53.
15- محمود حمدي زقزوق، الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري، ص 27-28.
16- عبد الرحمن حسن حنبكه، أجنحة المكر الثلاثة، دار القلم، دمشق، ط8، 2000، ص61-62.
17- خديجة بقطاش، الحركة التبشيرية الفرنسية في الجزائر، الجزائر، 1977، ص12.
18- محمد أمين حسن، المستشرقون والقرآن الكريم، ص20.
19- محمد جمعة عبد الله، رد افتراءات المبشرين على آيات القرآن الكريم، جامعة أم القرى، مكة، ط1، 1985، ص6.
20- أحمد عبد الرحيم السايح، الاستشراق في ميزان نقد الفكر الإسلامي، الدار المصرية اللبنانية، ط1، القاهرة، 1996، ص17.
21-بلقاسم الحناشي، الحركات التبشيرية في المغرب الأقصى، منشورات مركز الدراسات والبحوث العثمانية، تونس، 1989ص45.
22- المرجع نفسه، ص80.
23- محمد عبد الله الشرقاوي، الاستشراق والغارة على الفكر الإسلامي، دار الهداية، القاهرة، 1989. ص24.
24- عبد العزيز الكحلوت، التنصير والاستعمار في إفريقيا السوداء، منشورات كلية الدعوة الاسلامية، ليبيا، ط2، 1992ص35.
25-محمد عبد الله الشرقاوي، الاستشراق والغارة على الفكر الإسلامي، ص28.
26- محمد عمارة، الإسلام والغرب، مركز الإعلام العربي، القاهرة، ط1، 2006، ص42.
27-بلقاسم الحناشي، الحركات التبشيرية في المغرب الأقصى، ص54.
28- المرجع نفسه، ص88.
29- المرجع نفسه، ص92.
30- المرجع نفسه، ص96.
31- المرجع نفسه، ص86.
32- المرجع نفسه، ص89.
33- محمد عمارة، الإسلام والغرب، ص42.
34- المرجع نفسه، ص42.
35- محمد عبد الله الشرقاوي، الاستشراق والغارة على الفكر الإسلامي، ص29.
36-مصطفى خالدي وعمر فروخ، التبشير والاستعمار في البلاد العربية، المكتبة العصرية، بيروت، 1986، ص125.
37- المرجع نفسه، ص126.


مدير المنتدى
Admin

عدد المساهمات : 166
تاريخ التسجيل : 18/02/2012
الموقع : rihabalkalimah.cultureforum.net

https://ichkalat.forumalgerie.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة

- مواضيع مماثلة

 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى