مجلة إشكالات في اللغة والأدب
مرحبا بزوار المنتدى وقراء مجلة [ إشكالات ].. نرجو منكم الانضمام إلى أعضائه والتواصل مع أسرة المجلة.

هيمنة البنى المعرفية على تصورات فانديك النصية أهي مشكلة أم تقعيد؟

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

هيمنة البنى المعرفية على تصورات فانديك النصية أهي مشكلة أم تقعيد؟

مُساهمة  مدير المنتدى في الخميس يناير 28, 2016 7:06 pm

هيمنة البنى المعرفية على تصورات فانديك النصية
أهي مشكلة أم تقعيد؟

د. عبد المهدي هاشم الجراح
جامعة العلوم والتكنولوجيا الـأردنية-كلية العلوم والآداب
قسم العلوم الإنسانية

[يهدف هذا البحث إلى دراسة البنى المعرفية وبيان مدى هيمنتها على تصورات فان ديك النصية؛ وذلك لما لهذه البنى من حضور فاعل في طروحاته وأبحاثه في ميدان نحو النص وتحليل الخطاب. تناول البحث بداية مفهوم البنى المعرفية المسبقة، ثم انتقل لتتبع مظاهر هيمنة البعد المعرفي على تصورات فان ديك النصية، وهي ثلاث مراحل تم بحثها. خلص البحث إلى أن هذه البنى كان لها الأثر الفاعل في فهم النص وبنائه، وبالتالي التقعيد لعلم النص، وقد نجح في فان ديك في استثمار هذه البنى في نحو النص من جهة، وتحليل الخطاب النقدي من جهة أخرى.
*الكلمات المفتاحية: البنى المعرفية، هيمنة، تصورات، فان ديك، نص، خطاب.]

] This paper aims at studying the cognitive structures and its dominanceon vandijk Textual analytical, because its active presence in the arguments and research in the field of text and discourse analysis. In the beginning the paper deals with The concept of cognitive structures, and then move to show the aspects of domination cognitive dimension on vandijk Textual analytical.The research concluded that the cognitive structures had an active impact on the understanding of the text and its construction,so it has a mainly dominanceonthe construct of text grammar in one hand , and a critical discourse analysis from the other hand.
*Keywords: cognitive structures, domination, textual analytical, vandijk, text, discourse. [
مقدمة:
يعد فان ديك من أهم الباحثين والمنظرين لــ: علم اللغة النصي، ونحو النص وأبرزهم ، إذ قدم إسهامات واضحة في هذا الميدان أو الحقل المعرفي الجديد والحديث نسبياً، بدءاً من كتابه:" النص والسياق"، الذي وضعه في السبعينات من القرن الماضي، وانتهاء بسلسلة أبحاثه التي نشرها في سلسلة من المجلات والدوريات العالمية والتي تحمل مضامين: تحليل الخطاب النقدي، أو لأكن أكثر دقة: من نحو النص إلى تحليل الخطاب النقدي.
لقد عكفت منذ سنوات طويلة على دراسة مؤلفات هذا الرجل ومتابعتها متابعة حثيثة، وذلك بحكم التخصص الدقيق وهو: نحو النص وتحليل الخطاب، وتقديم مجموعة من الأبحاث المنشورة في مجلات محلية وإقليمية في هذا الميدان، وأثناء عملية البحث والتحليل، كنت ألاحظ أن هذا الباحث يركز على مبدأ بحثي تحليلي، يسيطر على تصوراته جميعها، بل إن هذا المبدأ يلف كل أعماله ، ألا وهو: نظرية المعرفة المسبقة المستقاة من علم النفس؛ فهو يجعل من هذا المبدأ سلطة عليا تتحكم بعملية التناول الحي للمادة المدروسة، وللنصوص الأدبية جميعها، فمن الصعب تحقيق الفهم الحي للنصوص دون الجاهزية المسبقة المتمثلة بالمعارف المسبقة، والتي غالباً ما ترتبط بتخزين" المعلومات المفيدة( ذات المعنى) على شكل مخططات في الذهن. ويطرح السؤال كيف نشجع الناس على استعمال المخططات التي يمتلكونها للاستفادة من المعلومات الجديدة؟"  أي: تخزين كل ما يخدم النص أو مجموعة النصوص والعودة إليه ساعة الحاجة.
يأتي هذا البحث لدراسة الأبعاد الدلالية لهيمنة المعارف المسبقة على تصورات فان ديك النصية ،وللإجابة على التساؤل الكبير الذي يتضمنه عنوان البحث وهو: هل هذا المبدأ يشكل مشكلة فعلية لها أبعادها وتجلياتها، أم أنه يشكل مبدأ تقعيدياً يؤطر ويؤسس لقضايا هادفة ومحددة؟
تقوم خطة البحث على قراءة مؤلفات فان ديك حسب مراحل البدايات والوسط والنهايات( في هذه السنوات)، ثم تتبع هذه الظاهرة فيها تتبعاً دقيقاً، وقد وضع البحث على عاتقه تحديد مفهوم البنى المعرفية المسبقة، ثم بحث المراحل التي تضمنت استثمار فان ديك للبنى المعرفية في تصوراته النصية، وهذه المراحل هي: الإشارات الأولى (مرحلة الكشف والرصد)، وتعدي مرحلة الاستكشاف (التقعيد والتأطير)، والتوسعة النقدية(التحول من نحو النص إلى تحليل الخطاب النقدي). وفيما يلي بحث لهذه المسائل بما يفيد.
أولاً: البنى المعرفية المسبقة
يرى المتخصصون أن المعرفة المسبقة( Back ground knowledge)، أو ( Prior knowledge) تتضمن عنصرين محوريين: معارفنا المباشرة والمستوعبة من خبراتنا الحياتية ونشاطاتنا المنفتحة، ثم خبراتنا اللفظية المتموضعة ثم ما يجاورها( )، بمعنى إن المعارف المسبقة تشمل: المعرفة العامة والخاصة، ثم تشمل المعارف المرتسمة في ذاكرتنا عن اللفظ، أي: سلسلة الملفوظات، والمعنى، أي: المغزى من الكلام، ويكون هذا وفقاً لمخطط محدد، يكون مرتسماً في أذهاننا نحن القراء، ويرى ستيفنز( Stevens) :أن المعرفة المسبقة هي المعرفة الجاهزة عن الموضوع( ). بمعنى: أنه لا بد من وجود مخطط مسبق وجاهز حول الموضوع، وبما أن الأمر بحاجة إلى مخطط مسبق ، فإن هذا يستدعي من القراء غالباً أن يقوموا بإنشاء نموذج تخيلي للموقف من النص.
وغالباً ما تتخطى هذه الصور المعلومات التي يذكرها النص. وتعتمد هذه المعلومات على الاستنتاجات طبعاً. ويمارس التمثيل الموقفي دوراً مهماً في نظرية معالجة القصص( )، فلا بد من وجود مخطط يمكن من التخيل والتصور والاستنتاج، ويرى ويدوسون(Widdowson): أن المخطط يمكن أن يوصف بأنه بناء ذهني يسمح بتنظيم المعلومات في ذاكرة طويلة الأمد أو ذات أمد طويل( )، وتكون محفزات هذه الذاكرة بحسب كوك( Cook) هي: الكلمات المفاتيح، والجمل في النصوص، والسياق، وتقع على عاتق السياق مهمة التحفيز الخاصة بالمعرفة التخطيطية( ).
ويفهم من بحث الباحثين في هذا المجال أن النص له ذاكرتان: عاملة دورية كبرى، وأخرى صغرى ذات سعة محدودة، وعندما " يعالج المرء النص فإنه يتعامل معه بدورات مدخلات Input Cycles حيث تقابل عادة كل دورة مدى اشتراك القضايا مع بعضها الآخر وتترابط القضايا دلالياً عندما تشترك في البيانات"( ).
بل إن القضية أعمق من ذلك بكثير، ففهم النص وتأويله، يقوم على الوعي التام ببعض المظاهر السيكولوجية التي تمكن من فهم البيانات وطرق تخزينها في الذاكرة النصية، أو بعبارة أخرى: إن البنى المعرفية المنبثقة من علم نفس المعرفة، هي التي تمكننا من الوصول إلى السياق الإدراكي الذي يمكن من فهم النص وبيان طرق إنتاجه، فهناك عمليات وظيفية معقدة في النص هي أكثر ارتباطاً بالسياق الإدراكي لفهم النص مثل: الفهم والكلام والتفكير والتخطيط وحل المشكلات المعقدة المرتبطة بالبناء والتماسك والانسجام، وفعالية تأثير تراكيب وصيغ وأفكار معينة دون الأخرى ( ).
فالبنى المعرفية تمكن الباحث والمحلل من الوصول إلى المحددات أو المدخلات النصية البنائية التالية:
1. قواعد البناء
2. قواعد التماسك
3. قواعد الانسجام
4. قواعد اختيار اللفظ
5. قواعد اختيار الجمل والتراكيب
6. لم يتم اختيار سلسلة تركيبية دون الأخرى؟
7. طرائق التفكير
8. طرائق الفهم
وهذا بدوره يسهم في مساعدة الباحث والمحلل في الوصول إلى طرائق التأثير في نفس المتلقي، والتعبير عن قصده بسلامة دون الوقوع في فوضى الفهم، كما هو ملاحظ في التحليلات المقدمة لكثير من النصوص الأدبية التي يقوم بها كثير من الباحثين؛ فلا بد من الوعي، ولا يقتصر الوعي على المرسل فقط بل هذا العمل شراكة بين المرسل والمتلقي؛ لأن " القارئ كما يرى سارتر يخلق ويكشف في الوقت ذاته، والعمل الفني بالنسبة له لا ينضب له معين"( )، إن التعامل مع النص وفقاً لنظرية البنى المعرفية يقتضي الابتعاد عن الارتجال والعشوائية ، فهذا يشبه إلى حد كبير تعلم اللغة وتعلميها ،فلا بد من التركيز على العمليات العقلية المتضمنة في المهارات اللغوية ، والتركيز على الجوانب النفسية والاجتماعية المنبثقة عنها( )، من هنا تأتي أهمية الاطلاع والاعتداد بهذه البنى في عملية الإنتاج والقراءة.
ثانياً: الإشارات الأولى
كانت الإشارات الأولى لاستثمار فان ديك لنظرية المعرفة في التحليل النصي قد ظهرت في كتابه: النص والسياق، ولكن بقي عمله عملاً يتضمن إشارات، وليس منصباً انصباباً كاملاً على هذه النظرية، وقد تمثل ذلك في تناوله لما أسماه بالبنية الكبرى: ( Macro Structure)، وتحديداً تحت ما أسماه بالبنية الكبرى وأنماط الخطاب، ثم القواعد المعرفية للبنية الكبرى أو البنى الكبرى، إذ صرح تصريحاً مباشراً بأن هذه المعرفة أو هذا المبدأ المستقى من علم النفس( Psychology ) يوجه نفسه نحو إعداد وتجهيز الكلمات والعبارات ثم النحو الخاص بالجملة ودلالتها، ثم يتابع قائلاً: ما هو النمط الخاص المفترض لإنتاج الخطاب وإعداده و بوجه أكثر عمومية، للمعلومات المعقدة؟ ( ) لأنه يفترض بالخطاب أنه بنية معقدة وليست سهلة، بمعنى إن جميع صور المعلومات من الصعب الوصول إليها إلا عبر طرائق ومراحل، وهذه كلها تخضع لسلسلة من التساؤلات بحسب فان ديك وهي: كيف تستوعب الخطاب؟ وأي نمط من المعلومات تم تخزينه؟ وكم حجم المعلومات التي تم تنظيمها في الذاكرة؟ وكيف يتم استرجاعها لمهام مختلفة مثل: التذكر، والتقدير، وحل المشكلات، والاستدلال، والفعل أو العمل؟( ).
وهو في هذا الكتاب يتناول مشكلة السياق وعلاقته بعلم نفس المعرفة، وهذا بدوره – كما يرى صلاح فضل- يكتسب أولوية واضحة في التعرف على منطلقات علم النص، يقول صلاح فضل: " وهو يرى أن هذا العلم ينحو إلى اتخاذ إجراءات منظمة، مبتدئاً بالسياق المباشر، وهو السياق النفسي، الذي يتم فيه إنتاج النص وفهمه وإعادة تكوينه. مما يجعل المشكلة الجوهرية التي يرتكز فيها البحث حينئذ هي تأويل النصوص. بيد أن مصطلح التأويل ( Interpretation) بدوره يستخدم هنا بطريقة أكثر ضبطاً وشكلية مما هو مألوف في الدلالة والتداولية إذ يرتبط بتعليق البنية الدلالية على الإشارية عبر العمليات اللغوية في نص معين، ومع ذلك فلا بد من توضيح بعض المظاهر السيكولوجية في عملية الفهم أو التأويل المعرفي"( ).
إذن فالمسألة مهمة جداً، فهي مرتبطة بفهم النص والتعرف على كيفية بنائه وانبنائه ؛لأن فان ديك يفترض بالنص أن يتضمن مجموعة من البيانات التي تختزن في ذاكرة محددة، وتكمن المشكلة في معرفة أنماط هذه البيانات المختزنة في هذه الذاكرة ، وكيف ترتبط هذه العملية بفهم النص؟ أي: بعبارة أخرى: ننسى جزءاً كبيراً من هذه المعلومات فما الذي يحدث فعلاً؟ لِمَ ننسى جزءاً ويظل جزءاً آخر؟ ثم لِمَ تنسى قبل غيرها؟ وهل بالإمكان أن تبقى مختزنة في الذاكرة ونعثر عليها مرة أخرى؟ ثم كيف نفعِّل استخدامها في مهام أخرى مثل فهم النصوص الأخرى؟( ) إن العلم الذي يجيب عن هذه التساؤلات هو علم نفس المعرفة، " وبصفة عامة فإن مجال هذا العلم يمكن أن يوصف بأنه يتصل بحقول الوظائف النفسية الأشد تركيباً وسمواً، مثل الفهم والكلام والتفكير والتخطيط وحل المشكلات المعقدة"( )؛ كما أنه " يتعين علينا أن نوظف جميع الإجراءات والنتائج التي ينتهي إليها هذا العلم كي نتمكن من تحليل السياق الإدراكي لفهم النصوص( )".
إنه يركز على السياق الإدراكي؛ لأنه هو الموصل إلى فهم النص، الذي يتبع مخططاً معروفاً وهو فهم الكلمات، والجمل، ومن ثم المتتاليات الجملية النصية، ويؤول سياق الفهم في النهاية إلى" تحليل المعلومات المنقولة بواسطة بنية النص السطحية وترجمتها إلى مضمون؛أي إلى معلومات مفهومية، وبهذه الطريقة تحول الجمل إلى سلاسل من القضايا. ففي فهم النص يتعلق الأمر على الأخص بحاجة المستعمل إلى إقامة روابط بين القضايا المعبر عنها بجمل المتتالية( )".
ويرى فان ديك أنه يتعين على المحلل والدارس أن يأخذ بعين الاعتبار الوقائع التالية:
"1. للتمكن من إقامة هذه الروابط، على المستعمل أن يستعين بمعرفته للعالم، وهذا يعني أنه ينبغي عليه، انطلاقاً من مكتسباته المعرفية المخزونة في ذاكرته أن يختار قضية أو أكثر، وأن يربط بالتالي بين قضايا النص.
2. إن الفهم الفاعل لعناصر النص يكمن في ذاكرة عملية حسب مصطلح علم نفس المعرفة، وهذه الذاكرة لا تملك سوى طاقة محدودة، فبعد أن يخزن فيها عدد من القضايا تمتلئ هذه الذاكرة، وعندئذ يجب أن تخزن هذه القضايا في الذاكرة الطويلة المدى."( ).
وهو يؤكد على أن " المبدأ العام الذي يلعب دوراً هاماً في تخزين المعلومات النصية واستذكارها واسترجاعها هو القيمة البنيوية لهذه المعلومات. فإذا كانت قضية ما مرتبطة بقضايا أخرى كثيرة في الذاكرة من النص ذاته، أو مستمدة من معارف وتجارب سابقة، فإن قيمتها البنيوية ستكون أكبر ويصبح استرجاعها حينئذ أسهل منالاً. والمبدأ الآخر الذي يلاحظ فعاليته في تكوين المعرفة والآراء بواسطة النصوص هو مبدأ النفعية أو الوظيفة...( )".
إذن، ففان ديك يضع عن طريق هذا التناول للسياقات الإدراكية والمعرفية الضوابط أو القواعد الأساسية لإنتاج النص وفهمه، وهي ضوابط مهمة ولكن- كما نرى- يدخلها بعض النقد؛لأن التركيز على السياق الإدراكي وإعطائه هذه السلطة في عملية الفهم للنص وفك شفرته، والكشف عن الجوانب التواصلية فيه لا يعد كافياً، لأن أسس تشكل السياقات الإدراكية هي بحد ذاتها أمر خلافي؛ كما أنه يختلف من شخص لآخر، ومن بيئة لأخرى، ثم من نص لآخر. ويجب ألا ننسى أن السياقات الإدراكية تقف عاجزة في كثير من الأحيان عن تفسير العلاقات الداخلية للأبنية النصية ووصفها وصفاً حقيقياً وفاعلاً؛ لأن توجه السياقات الإدراكية يكون منصباً بالدرجة الأولى على وصف العلاقات النصية الخارجية.
لكن رغم ما تقدم من نقد، فإن ما قدمه فان ديك في هذه المرحلة في كتابه (النص والسياق) يبقى أمراً لافتاً، له أهميته ودلالته؛ فهو على الأقل عمل على تنظيم ما يمكنني تسميته: " بالمضامين السياقية" أو " الأطر السياقية"؛ ويكون بذلك قد حدد مفهوم السياق تحديداً دقيقاً.
ثالثاً: تعدي مرحلة الاستكشاف( تكافؤ استثمار الأدوات التحليلية)
كانت المرحلة الأولى في بحث فان ديك للبنى المعرفية قد اتسمت بالبعد الاستكشافي الراصد، أما المرحلة الثانية فقد اتسمت بالبعد التقعيدي التأطيري التكافئي، وقد ظهر ذلك في تركيزه المباشر على مبدأ التكافؤ في استثمار الأدوات التي يمكن أن تسهم في فهم النص، دون التركيز على أداة دون أخرى، ففي كتابه هو وزميله والتر كنتسش:" استراتيجيات فهم الخطاب"، نجدهما قد ربطا ربطاً صريحاً الوحدات الدلالية النصية بثلاثة عوامل وهي:
1. القاعدة النصية
2. قابلية النص للقراءة والتحليل
3. البنى المعرفية أو المعارف السابقة( )
أي إن فهم النص يقوم على إدراك ثلاث حقائق مهمة وهي التي تم ذكرها؛ ويأتي دور السياق المعرفي محدداً ببعض المهام المعرفية المستقاة من علم نفس المعرفة من جهة، ثم من المبادئ البراجماتية من جهة أخرى؛ لأن البراجماتية- كما يرى ديك- جاءت لوصف دور الملفوظات في السياق باعتبارها أحداثاً كلامية ، بعد أن كانت المحاولات القواعدية السابقة تصف الجملة معزولة عن السياق( )، وهنا يدخل" دور المتلقي والموقف وهدف النص والمقام ونوع المعلومات المطروحة وأنواع التفاعل وكيفية التواصل، وغير ذلك مما يتعلق بالعلاقة بين العلامات ومستعملي هذه العلامات"( ).
يمكن القول: إن فان ديك في هذه المرحلة قد أدخل بعض المعطيات النصية في عملية فهم النص وتحليله، وهي بلا شك عوامل نصية داخلية ، أو هي: دلائل نصية، وهو بهذا أصبح يركز على فهم النص من الداخل، فالنص هو الذي يدفع المرء إلى النظر إلى ما هو خارجه، فهو في بحث له ركز تركيزاً مباشراً على البحث في الجانب الدلالي لبعض الأفعال المعبرة عن دلالات وقضايا مثل: أعرف، أصدق( أعتقد)، أريد أن أفعل كذا وكذا ، وهي بلا شك أفعال تتضمن دلالات تقتضي العودة إلى البنى المعرفية التي تستكن وراءها هذه الأفعال، وما يلفت النظر أنه قام بوضع تحديد دقيق " للفهم البراجماتي" الذي ينطلق من النص نحو محاكاة الواقع المتخيل، ثم ما هو موجود فعلاً في أذهاننا حول المسألة من وجهة نظر تقليدية؛ لأن هذا يشكل إشارة تحيل إلى ما هو موجود في معارفنا حول المسألة بصورة تقليدية( ).
كما يرى في بحثه لمسألة " التحليل السياقي"، أن التصور اللغوي هو أكثر دقة في مسألة تحديد المغزى من بعض التراكيب، ويضرب مثالاً على ذلك: الاستفهام، فإذا تم إعطاء تركيب استفهامي، فإننا نؤكد مؤقتاً أنه يوجد سؤال أو طلب ما لم يستجد شيء جديد( )، وهو يقصد هنا: أن المسألة تفاعلية، فالاستفهام يشكل إشارة نصية تبدأ من النص، فالنص هو الذي يحيل إلى ما هو خارجه، فتأتي التصورات اللغوية السياقية لتقدم تفسيراً مناسباً لهذا الحدث الكلامي، وهو هنا لا يقدم المعارف المسبقة في تفسير الحدث الكلامي المتمثل بالاستفهام على السياق غير اللغوي ضمن المنظومة اللغوية، ولكنه لا يغفل الدور الذي يلعبه السياق المعرفي الإدراكي في توضيح الجانب الاجتماعي أو المدلول الذي يقبع خلف التركيب باعتباره إبداعاً فردياً ذا اتصال بالعقل الاجتماعي (الحركية الفكرية الاجتماعية)، فالحدث الكلامي عنده يجب أن يتضمن: معلومات دلالية حول الذاكرة والشكل ثم خلاصة الحديث، ثم معلومات عامة مرتبطة بالبنية الكبرى، تدور حول البنى النصية المتفاعلة( ).
رابعاً: التوسعة النقدية( الانتقال من نحو النص إلى تحليل الخطاب النقدي)
وهذه المرحلة هي المرحلة الأخيرة من مراحل الهيمنة المعرفية على تصورات ديك النصية، وقد مثل هذه المرحلة سلسلة من الأبحاث والمقالات تم نشرها في نهاية الثمانينات والتسعينات من القرن المنصرم والسنوات العشر الأولى من هذا القرن، وقد اتسمت هذه المرحلة بالنزوع نحو التوسع في استثمار المعارف المسبقة، والبنى الأيديولوجية، في عملية تحليل الخطاب، وقد حاول ديك في هذه المرحلة الخروج من دائرة الدلالات المحدودة والمأسورة بسياقات نصية تقارب على الانغلاق إلى الدلالات المنفتحة، التي تشكل روح الفاعلية الفردية والاجتماعية، فهو يرى أن مبادئ تحليل الخطاب امتدادية شمولية، تمتد لتشمل المواقف الاجتماعية والسياسية للخطاب المحلل والمعلنة من قبل البعض، واختيار الخطاب الانتقائي الخاص بفئة محددة من ذوي السلطة، والخطاب العام المرتبط بعامة الناس، وإظهار الاختلافات الاجتماعية الكامنة وراء إبداع الخطاب، والتركيز على توضيح مفاهيم محددة مثل: السلطة والخطاب السياسي والهيمنة والعنصرية والمعرفة الاجتماعية( ).
يكون بذلك ديك قد عاد إلى حيث بدأ، عاد إلى الهيمنة المطلقة للبنى المعرفية على النص: فهماً وإنتاجاً وتواصلاً، فعاد ليناقش مفاهيم تقتضي العودة إلى الذاكرة النصية البعيدة أو طويلة المدى، ومحاولة قراءة النصوص الأدبية بناء على الخطوط التي تحتضنها هذه الذاكرة التي تمتلئ بما هو مذكور وما هو منسي، فيصبح السؤال عن طبيعة الكشف عن الحس السلطوي، وطبيعة العلاقة بين القوة والهيمنة، من الأسئلة التي تشكل مشروعاً أيديولوجياً يرمي إلى جر الخطاب الأدبي من الحيز الرامز المنغلق إلى الحيز الرامز المنفتح، فهو يقصد من وراء القوة والهيمنة( Power And Dominance)، أموراً كثيرة، تسهم في تنظيمها القوتان: الفردية( صاحبة القرار)، والجماعية( عموم الشعب)، ويشير في النهاية إلى أن صاحب القرار هو صاحب القوة، وهذا بلا شك يخلق خطاباً يحمل خصائص صاحبه( ).
ويتعمق حديثه عن السياق المعرفي واستثماره في تحليل الخطاب النقدي، في بحثه الموسوم بـــ: " من نحو النص إلى تحليل الخطاب النقدي" " From Text Grammar TO Critical Discourse Analysis"، إذ تضمن هذا البحث سلسلة من الإشارات التي تعمق الدور الذي يلعبه تحليل الخطاب من مجرد مقاربة إبداعية فردية تأثرية، إلى مقاربة نقدية تهدف إلى رصد طرائق تنظيم الخطاب، وتناول جميع ألوان الخطاب، مثل: الخطاب الحواري، والصحافي، والإخباري بوصفه خطاباً، وكذلك الخطاب البرلماني، وخطابات النخبة، وخطابات الشركات،( ) وهو يقصد بذلك تفعيل النظر النحوي النصي المحدود؛ ليشكل مقاربة تحليلية نقدية تعيد بناء الفكر الفردي والاجتماعي ضمن مبدأ المثاقفة الحقة، وهو يصرح في بحثه للخطاب النقدي( critical discourse analysis): أن تحليل الخطاب النقدي لا يشكل نظرية ولا منهجاً بل هو ثورة، إنه يقصد ما يقول، فهو ثورة على التقاليد البحثية السابقة التي لا توظف العلم في خدمة المجتمع، وبخاصة ميدان البحث في العلوم الإنسانية؛ لذا مال إلى التركيز على الأيديولوجيا والمعارف السابقة، والسياقات المعرفية، والتفاعل الحاصل بينها( )؛ لأنها أدوات تسهم في الوصول إلى تحقيق الأهداف المرجوة والمنشودة من البحث في مجال الخطاب النقدي؛ فكان الغرض الأسمى هو الانتقال من نحو النص (بناء آجرومية النص)، إلى توظيف هذا المنحى في عملية تحليل الخطاب النقدي.
وبعد تتبع البنى المعرفية في تصورات فان ديك يمكن القول: إن هذه البنى كانت قد شكلت في مرحلة البدايات حساً سلطوياً مهيمناً، ولكن بعد توظيفها في التأطير والتقعيد لنحوية النص أخذت المنحى التكافئي –كما تمت الإشارة-، ولكن سرعان ما عاد الحس السلطوي لها في أبحاثه التي قدمها في الفترة الأخيرة من جهوده البحثية، فعاد إلى جر هذه البنى إلى ميدان التحليل النقدي للخطاب، وكان هذا بمثابة مقدمة للانتقال بالبحث النصي من نحو النص إلى تحليل الخطاب النقدي.
إن ما جاء به فان ديك هو تنظير أكثر منه تطبيق، وهنا تبرز مشكلة لا يستهان بها؛ لأن الوصول والتوصيل لا يتحصلان من التنظير، بل لا بد من التطبيق الحقيقي المكثف، لا الاكتفاء بأمثلة مجتزأة، ونماذج نصية قصيرة، فبناء نظرية متكاملة لا يأتي من نماذج نظرية وتطبيقية محدودة؛ لذا يميل الباحث إلى القول: إن هيمنة البنى المعرفية على تصورات فان ديك النصية هو جنوح نحو التقعيد لنحو النص وتحليل الخطاب، لكن هذا الميل أو الجنوح ولد مشكلات متعددة وهذه المشكلات هي:
1-فوضى فهم الباحثين في ميدان نحو النص وتحليل الخطاب للسياق والبنى المعرفية ؛ وذلك لعمومية التناول من قبل فان ديك .
2-عدم فهم بعض التصورات، وهذا ناتج من الغموض في طريقة عرض القضايا المرتبطة بهذه التصورات، وذلك كتصور البنية الكبرى، فطريقة الوصول إليها –حسب ديك- يلفها بعض الغموض، وحديثه عنها كان أشبه بوصف آلي.
3-عدم التركيز المكثف-وأكرر كلمة : المكثف-على السياقات الداخلية للنص، وتكثيف التركيز على السياقات الخارجية.
4-عدم التركيز على أنماط القراء والقراءة للنص الأدبي؛ لأن المعايير التي وضعها تحتم اختيار نوع محدد من القراء، فليس من السهل أن يتعامل قارئ معين مع بعض القضايا المعرفية والمفهومية، وتحديداً: السياق الإدراكي.
ولكن –والحق يقال- يبقى ما قدمه ديك طرحاً علمياً موضوعياً، حدد المسالك التي يمكن أن يسلكها المحلل والناقد، ولا يخفى ما لتوجهاته البحثية الأخيرة من رغبة أكيدة في النزوع نحو الدقة العلمية والموضوعية في تناول النص الأدبي.
*خاتمة:
حاول هذا البحث الوقوف على الصدى الذي أحدثته البنى المعرفية في تصورات فان ديك النصية، وقد خلص إلى النتائج التالية:
- برزت هيمنة البنى المعرفية بروزاً واضحاً في تصورات فان ديك النصية، وكان لهذا الأثر الواضح في عملية التقعيد لنحو النص وتحليل الخطاب النقدي.
- اتسمت الإشارات المعرفية الأولى بالميل إلى الاستكشاف والرصد، وقد جاءت على شكل أفكار بثت في كتابه النص والسياق، وقد عملت هذه الأفكار على تعميق النظر النحوي النصي، وذلك بالتركيز على البنية النصية الكبرى، وأثر السياق الإدراكي المعرفي في توجيهها، والبحث في طرائق الوصول إليها.
- اتسمت المرحلة الثانية بالبعد الاستثماري التكافئي للأدوات التي تسهم في فهم النص وتحليله، فكانت البنى المعرفية عنصراً من بين مجموعة من العناصر المشكلة للنص.
- أما المرحلة الرابعة، فاتسمت بالتركيز على ضرورة النظر إلى دور الخطاب وتحليل الخطاب في المجتمع والأيديولوجيا والعكس، وهو هنا عاد إلى التركيز على مسألة التصورات المعرفية المستقاة من علم نفس المعرفة، وتوظيفها في تحليل الخطاب.
- نجح فان ديك في توظيف نظرية البنى المعرفية في الإطار البنائي لنحو النص من جهة، وتحليل الخطاب النقدي من جهة أخرى.
*الهوامش والحواشي:

مدير المنتدى
Admin

عدد المساهمات : 166
تاريخ التسجيل : 18/02/2012
الموقع : rihabalkalimah.cultureforum.net

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ichkalat.forumalgerie.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى